خبير آثار يسلط الضوء على قانون فرنسا الجديد لاسترداد التراث: خطوة تاريخية وإشكالات معقدة

قطع آثار مصرية معروضة فى متحف اللوفر
قطع آثار مصرية معروضة فى متحف اللوفر

بالتزامن مع احتفال العالم اليوم بـ اليوم العالمي للمتاحف، تتجدد النقاشات العالمية حول مصير الآثار التي خرجت من أوطانها خلال فترات الاستعمار، خاصة بعد الخطوة الفرنسية الأخيرة التي وُصفت بأنها تحول مهم في ملف استرداد التراث الثقافي.

 

وفي هذا السياق، سلط الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لـ مجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، الضوء على أهمية وإشكالية القانون الفرنسي الجديد الذي يهدف إلى تسهيل إعادة القطع الأثرية والأعمال الفنية إلى بلدانها الأصلية، معتبرًا أن القرار يمثل خطوة تاريخية، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات قانونية وثقافية معقدة، خصوصًا فيما يتعلق بالآثار المصرية الموجودة داخل المتاحف الفرنسية.

 

- المتاحف توحد عالمًا منقسمًا

 

ويأتي هذا النقاش بالتزامن مع الاحتفال العالمي باليوم العالمي للمتاحف، الذي ينظمه سنويًا المجلس الدولي للمتاحف بهدف تعزيز الوعي بدور المتاحف في التبادل الثقافي وإثراء المجتمعات وحفظ التراث الإنساني.

 

ويُقام احتفال هذا العام تحت شعار "المتاحف توحد عالمًا منقسمًا"، في رسالة تؤكد أن التراث ليس مجرد مقتنيات معروضة داخل قاعات العرض، بل ذاكرة إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود والسياسة.

 

- قانون فرنسي بعد 9 سنوات من النقاش

 

وأوضح الدكتور ريحان أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صادق مؤخرًا على القانون الجديد بعد إقراره من البرلمان الفرنسي، عقب مناقشات رسمية استمرت نحو تسع سنوات.

 

ويهدف القانون إلى وضع إطار قانوني يسمح بإعادة الأعمال الفنية والقطع الأثرية التي خرجت من بلدانها خلال فترات الاستعمار أو عبر عمليات نهب غير مشروعة، في خطوة اعتبرها كثيرون تحولًا مهمًا في السياسة الثقافية الفرنسية تجاه التراث الأفريقي والشرقي.

 

اقرأ أيضا|اليوم.. المتاحف المصرية تفتح أبوابها مجانًا للمواطنين بمناسبة يومها العالمي

 

وأشار ريحان إلى أن توقيت صدور القانون يأتي في ظل التطور الملحوظ في العلاقات المصرية الفرنسية، خاصة بعد الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إلى مصر، والتي شملت جولة في منطقة خان الخليلي برفقة الرئيس عبد الفتاح السيسي، إضافة إلى زيارته لمدينة الإسكندرية، وهو ما عكس عمق العلاقات التاريخية والثقافية بين البلدين.

 

- ما الذي ينص عليه القانون؟

 

وبحسب الدكتور ريحان، فإن القانون الفرنسي الجديد ينص على وضع آلية واضحة تسمح بإخراج بعض القطع الأثرية والفنية من المجموعات الوطنية الفرنسية وإعادتها إلى موطنها الأصلي، بشرط إثبات أنها خرجت بطرق غير مشروعة أو تعرضت للنهب خلال الفترة ما بين عامي 1815 و1972.

 

كما ينص القانون على إخضاع طلبات الاسترداد لمراجعة لجان علمية وبرلمانية متخصصة، تتولى دراسة الوثائق التاريخية والقانونية الخاصة بكل قطعة قبل إصدار القرار النهائي بشأنها.

 

ويتضمن القانون أيضًا بندًا مهمًا ينص على أنه إذا كانت القطعة الثقافية مملوكة لجهة عامة غير الدولة، فلا يجوز إخراجها من الملك العام إلا بعد الحصول على موافقة رسمية من تلك الجهة.

 

وأوضح ريحان أن القانون يمنح الحكومة الفرنسية صلاحيات أوسع لتسريع عمليات إعادة القطع الأثرية، من خلال إصدار مراسيم حكومية مباشرة بدلًا من الاعتماد على الإجراءات التشريعية الطويلة والمعقدة التي كانت تستغرق سنوات في السابق.

 

- مراجعة أوروبية لإرث الحقبة الاستعمارية

 

ويرى الدكتور ريحان أن القرار الفرنسي يعكس اتجاهًا أوروبيًا جديدًا لإعادة النظر في مصير المقتنيات التاريخية ذات الأصول الاستعمارية، ومحاولة إعادة بناء العلاقات الثقافية مع الدول الأفريقية والشرقية على أساس الاعتراف بالتاريخ وتعزيز التعاون الثقافي.

 

وفي هذا الإطار، بدأت السلطات الفرنسية بالفعل مراجعة أصول ما يقرب من 90 ألف قطعة أثرية أفريقية محفوظة داخل المتاحف الفرنسية، من بينها عشرات الآلاف من القطع المعروضة أو المخزنة داخل متحف كيه برانلي، أحد أبرز المتاحف المتخصصة في الفنون والحضارات الأفريقية والآسيوية.

 

كما أطلقت فرنسا بالتعاون مع عدد من المؤسسات الأوروبية برامج بحثية لتتبع مصادر القطع الأثرية وظروف خروجها من بلدانها الأصلية خلال الحقبة الاستعمارية.

 

ومن بين هذه المبادرات صندوق بحثي مشترك مع ألمانيا بقيمة 2.1 مليون يورو لدعم الدراسات المتعلقة بتاريخ المقتنيات الأثرية ومسارات انتقالها عبر القرون.

 

إقرأ أيضاً| اليوم.. المتاحف المصرية تفتح أبوابها مجانًا للمواطنين بمناسبة يومها العالمي

 

وأكد ريحان أن هناك مسؤولية تاريخية وأخلاقية تقع على عاتق الدول الأوروبية التي تحتفظ بهذه الكنوز، تستوجب إعادة النظر في إعادة القطع إلى أوطانها الأصلية.

 

- الآثار المصرية في فرنسا.. كنوز لا تُقدّر بثمن

 

وتحدث الدكتور ريحان عن حجم الآثار المصرية الموجودة داخل المتاحف الفرنسية، موضحًا أن متحف اللوفر يضم ما بين خمسة إلى ستة آلاف قطعة أثرية مصرية معروضة، إضافة إلى ما بين 50 و60 ألف قطعة أخرى محفوظة في المخازن.

 

ومن بين أبرز هذه القطع تمثال الكاتب الجالس، وتماثيل لملوك مثل رمسيس الثاني وأخناتون وأمنحتب، إلى جانب البرديات والتوابيت والمومياوات والنقوش الحجرية والقطع المرتبطة بالحياة اليومية والدينية في مصر القديمة.

 

كما أشار إلى أن اللوفر يضم أيضًا لوحة مصلى أمنحتب الأول، وهي قطعة ذات قيمة تاريخية كبيرة، بالإضافة إلى “زودياك دندرة” أو دائرة دندرة الفلكية، التي تُعد واحدة من أشهر القطع المصرية القديمة الموجودة في فرنسا.

- حكاية "زودياك دندرة"

 

ووصف الدكتور ريحان "زودياك دندرة" بأنها من أبرز الأمثلة على خروج الآثار المصرية بطرق غير مشروعة.

 

وتعود القصة إلى عام 1802، عندما نشر الفنان الفرنسي فيفان دينون رسومات لسقف معبد دندرة ضمن كتابه عن مصر بعد الحملة الفرنسية، ما أثار اهتمامًا أوروبيًا واسعًا بالدائرة الفلكية الشهيرة.

 

وبعد ذلك قام تاجر التحف الفرنسي سيباستيان لويس سولنييه، بمساعدة وكيله جين باتيست كلود ليلوراين، بإزالة دائرة الأبراج من سقف المعبد باستخدام المناشير والرافعات والبارود.

 

وفي عام 1821 نُقلت القطعة إلى فرنسا، ثم استقرت لاحقًا داخل متحف اللوفر عام 1922، حيث لا تزال معروضة حتى اليوم.

 

ويؤكد ريحان أن هذه القطعة تحديدًا تُعد من أهم الملفات التي يمكن أن تستند إليها المطالبات المصرية في ضوء القانون الفرنسي الجديد.

 

- متاحف فرنسية أخرى تحتفظ بآثار مصرية

 

وأشار ريحان إلى أن الآثار المصرية لا تقتصر على اللوفر فقط، فهناك متاحف فرنسية أخرى تضم مجموعات مهمة من التراث المصري القديم.

 

مشيرا إلى متحف الفنون الجميلة في ليون الذي يضم تماثيل أوشابتي وأدوات زراعية ولوحات جدارية وقطعًا مرتبطة بالحياة اليومية والدينية في مصر القديمة.

 

كما يضم متحف مارسيليا للحضارات المتوسطية عددًا من الأدوات الجنائزية والتماثيل والآثار المتنوعة التي تعكس جوانب من المعتقدات والحياة الاجتماعية للمصريين القدماء.

 

- أين تكمن الإشكالية؟

 

ورغم أهمية القانون الفرنسي الجديد، يرى الدكتور ريحان أن هناك إشكالية رئيسية تتمثل في غياب بيانات رسمية دقيقة تحدد عدد القطع الأثرية المصرية الموجودة في فرنسا والتي يمكن تصنيفها باعتبارها "منهوبة".

 

فالعديد من القطع خرجت من مصر في فترات تاريخية مختلفة؛ بعضها خلال الحملة الفرنسية، وبعضها خلال القرن التاسع عشر، بينما خرجت قطع أخرى عبر عمليات بيع أو تبادل تمت في سياقات قانونية وتاريخية معقدة.

 

كما أن المتاحف الفرنسية تصنف جزءًا كبيرًا من هذه المقتنيات باعتبارها "مقتنيات مكتسبة تاريخيًا"، وليس قطعًا مسروقة، وهو ما يجعل عملية المطالبة باستعادتها أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية.

 

ولهذا تركز الجهود المصرية حاليًا على المطالبة بقطع محددة تمتلك أهمية تاريخية واضحة أو توجد أدلة قوية على خروجها بطرق غير مشروعة، وفي مقدمتها "زودياك دندرة".

 

ويرى ريحان أن هذا القانون، رغم تعقيداته، قد يمثل بداية مرحلة جديدة في ملف استرداد التراث المصري، ويفتح الباب أمام نقاش عالمي أوسع حول حق الشعوب في استعادة ذاكرتها الحضارية الموجودة خارج حدودها.