يقولون إن أصعب أنواع الموت هو ذلك الذي لا يواريه التراب، بل يواريه الغياب؛ في زقاقٍ ضيق تفوح منه رائحة الصبر بمنطقة نزلة السمان، تسكن أسرةٌ مصرية لم تتوقف عقارب ساعتها منذ عام 2009؛ ذلك التاريخ الذي شهد الرحيل الأخير للأب «عبد القادر»، حين حزم حقائبه بحثًا عن رزقٍ حلال في بلاد السودان.
غادر الشيف المكافح تاركًا وراءه وعودًا بالعودة المحملة بالهدايا؛ ليتحول بمرور السنين من مسافرٍ يطارد الأحلام لتأمين مستقبل صغاره، إلى لغزٍ محير يطارد قلوبهم المنهكة، تسعة عشر عامًا مرت كأنها الدهر، كبر فيها الأطفال بعيدًا عن كنف أبيهم، وشابت فيها الآمال خلف نوافذ الانتظار، بينما ظلت الصرخة مكتومة في الصدور: (أبي.. هل أنت حيٌ فترزق تحت سمائنا، أم غائبٌ خلف جدران الصمت فننعاك)؟!
هنا، في حضرة (أخبار الحوادث)، تتبلور حكاية أبناءٍ لم يهزمهم اليتم يومًا، بل أرهقهم المجهول الذي لا ينتهي، وبحثٌ مضن عن خيط يُنهي كابوسًا طال أمده بين لوعة الشوق وقسوة الرحيل.
ابن وابنة وصلا إلى «أخبار الحوادث»، فتاة وشقيقها الأصغر، يتحركان بانسجام وتوجس كأنهما يستندان إلى بعضهما البعض، جلست الفتاة وبجوارها شقيقها الذي لم يتجاوز 17 عامًا، وبدأ الاثنان حديثًا يفيض بالألم والمصاعب التي واجهتهما في ظل اختفاء والدهما.
كانت عيونهما تعكس ما تعجز الكلمات عن وصفه، بقلوب تنبض بالأمل ورغبة صادقة في العثور على أي أثر يقربهما من خبر عن الأب الغائب بعد تلك السنوات الطويلة، جاء يطلبان العون لإيصال صوتهما للجهات المسئولة لمساعدتهما في الوصول إلى والدهما الغائب.
أسرة مستقرة
بدأت الفتاة حديثها قائلة: اسمى شيماء عبد القادر عابدين، 27 سنة، خريجة سياحة وفنادق، أقطن بنزلة السمان بالجيزة، أعيش مع أسرتي البسيطة في حالة مادية متواضعة لكن يغمرنا الحب، والدي عبد القادر عابدين، حاصل على مؤهل متوسط، عمل «شيف» واحترف السفر حتى قبل أن يتزوج، طبيعة عمله بالفنادق والمطاعم جعلت السفر ركيزة أساسية؛ يغيب شهورًا ويعود، وكان غيابه مليئًا بالحضور عبر تواصل دائم، يسافر لأجلنا لا هربًا منا.
ضرورة لا اختيار السفر لأبي كان واجبا وليس رفاهية، لم يختر البعد حبًا فيه بل لأنه مصدر رزقه الوحيد، كانت فرص العمل تفرض عليه التنقل محليًا ودوليًا، اتخذ السفر سبيلاً ومارس مهنته بشغف، مؤمنًا أن هذا الاغتراب المؤقت هو الطريق لضمان حياة كريمة ورزق حلال لنا يجنيه في النهاية، مهما طالت المسافات، ظل يكافح لسنوات ليؤمن لنا مستقبلاً أراده أن يكون الأفضل.
وتابعت الابنة قائلة: نحن أسرة مستقرة وهادئة، علاقة أبي وأمي سادها الاحترام والتفاهم، لم تشهد يومًا خلافات تنذر بالانفصال، نحن ثلاثة أشقاء، تربينا في كنف أب لم يقصر في حقوقنا. علاقتنا به كانت وطيدة، لم يتنصل من مسئولياته وكان حاضرًا في تفاصيل حياتنا حتى أثناء سفره، يتابع دراستنا وأحوالنا باهتمام، عشنا في طمأنينة، وكان غيابه حينها مجرد مرحلة ننتظر نهايتها، ولم يتخلَّ يومًا عن دوره.
عهدنا على ابي، تحمل المسئولية منذ صباه، حرص على عائلته الكبيرة كحرصه علينا، لم يتراجع عن رعاية احتياجاتنا، وكانت علاقته بوالدته قوية جداً، عُرف بين الأقارب والناس بأنه رجل يُعتمد عليه، لم يكن مجرد أب بل رجل يعرف معنى الواجب ويؤديه بلا تردد، لذا لم يدرِ بخلدنا أبداً أن يكون غيابه قرارًا شخصيًا منه.
يسافر لأجلنا.. لا هربا منا أبي كان مقدامًا لا ينتظر الظروف بل يصنعها، هدفه تأمين حياة أفضل لنا. كان حلمه واضحًا للجميع، لذا صبرنا على فراقه رغم الشدائد، وكنا نشجعه إيمانًا بحلمه، كان يرى السفر وسيلة لتحقيق الأهداف لا تخليًا عن المسئولية، فكنا نقدر سعيه ونعلم أن كل خطوة بعيدًا عنا هي اقتراب من تأمين مستقبلنا، ليعود محملاً بالهدايا والشوق، مؤكدًا أنه يغترب لأجلنا لا فرارًا منا.
دون سابق إنذار
تكمل شيماء كلامها قائلة: دون سابق إنذار في 2009، غادر والدي إلى «السودان»، ودعنا كالمعتاد موصيًا إيانا بالترابط، ولم ندرِ أنه الوداع الأخير.
بعد شهر، هاتفنا ليطمأننا على استقرار أوضاعه وعمله، وكان صوته طبيعيا لا يشير بأي غياب طويل، وبمرور الأيام، انقطعت أخباره تماما، فلا اتصال ولا رسالة، وتقطعت السبل، مر العمر وكبرنا وكبرت معنا أسئلة حول مصيره؛ هل هو حي أم أصابه مكروه؟، أسئلة ترافقنا في منامنا ونحن نبحث عن خيط يقودنا إليه.
أضاف الابن يوسف (17 عاماً): أمي كانت ولا تزال عماد البيت منذ اختفاء أبي، تعمل مساعدة طبيبة لسنوات طويلة بدخل بسيط يكاد يكفينا، تعود منهكة لكنها لا تستسلم، تحملت مسئوليتنا وحدها، ضحت بالكثير لنكمل تعليمنا الجامعي. نحن نقدر وقوفها بجانبنا وبحثها الدائم عن والدي، ورغم التحديات، نحن أسرة متماسكة تملأ فراغ الأب بالحب والمودة.
بحث بلا نتيجة
ويتابع يوسف حديثه قائلًا: لم تصمت والدتي، بل حررت محضر تغيب وإثبات حالة برقم (6831/19/5 لسنة 2015)، واستخرجت شهادة تحركات لتتمكن من صرف معاش يعيننا على الحياة، بذلت ما في وسعها لتوفير احتياجاتنا وانتظرت ردًا، لكن الجهات لم تفدنا بمعلومة حول مصيره، ضيق الحال منعنا من استكمال باقي الإجراءات، اليوم نتساءل: إلى من نلجأ؟ نستغيث بكل الجهات لمساعدتنا في معرفة مصير والدي، فالغياب المجهول أقسى من الموت. غيابه كان عبئًا ثقيلاً، عطل أحلامنا وواجهنا مصاعب وحدنا في صمت حتى تحول الانتظار المؤقت إلى دائم.
يكمل يوسف مأساة أسرته قائلًا: كل ما نرجوه هو خيط يقودنا للحقيقة، خرج والدنا للسودان سعيًا للرزق ولم يعد منذ 19 عامًا، لا نطلب سوى خبر يؤكد حالته إنسانيًا، هناك فرق بين الغياب الاختياري والقهرى؛ فأقسى أنواع الفقد هو الجهل بمكان والدك، في غياب الحقيقة، تتحول الأسئلة إلى همّ يومي والانتظار إلى حياة ضائعة، هل يمكن لأسرة أن تستمر دون إجابة واضحة؟!
أب وأم معًا
«لستُ مجرد زوجة تنتظر عودة غائب، أنا امرأة استيقظت ذات صباح لتجد نفسها الأب والأم، والحارس الوحيد لبيت عصفت به رياح الفقد»، بهذا الكبرياء تبدأ غادة رجب (48 عاماً) حديثها، وهي تروي فصول حكاية بدأت بالمودة والقرابة، وانتهت بكابوس مستمر منذ قرابة عقدين من الزمن.
لم يكن زوج غادة «عبد القادر عابدين» غريبًا عنها، بل هو ابن عمتها، وقريبها الذي عرفت فيه الطيبة والأخلاق قبل أن يجمعهما بيت الزوجية عام 1996، تتذكر غادة فترة الخطوبة التي استمرت عامين قائلة: «كانت أيامًا هادئة، رسمنا فيها أحلامنا بكل عقلانية، ورغم أن طبيعة عمله كـ ‹شيف› كانت تضطره للسفر الطويل، إلا أنني قبلتُ التحدي بدافع الحب.
أثمر الزواج عن ثلاثة أطفال، كانوا محور حياة عبد القادر الذي تصفه غادة بالرجل الرحيم والزوج المثالي، لكن القدر كان يخبئ امتحانًا قاسيًا؛ فبعد رحلة عمل أولى إلى السودان استغرقت 7 أشهر، عاد ليقضي مع أسرته شهرًا واحدًا، ثم حزم حقائبه للرحلة الثانية والأخيرة.
في عام 2007، ودّع عبد القادر زوجته وأطفاله الثلاثة، وأصغرهم «يوسف» الذي لم يكن قد تجاوز العامين بعد. غادر إلى السودان بابتسامة طمأنة اعتادها الجميع، لكن تلك الابتسامة كانت آخر عهد الأسرة به.
تقول غادة بمرارة: «منذ ذلك اليوم، انقطع الخيط تمامًا، لا اتصال، لا رسالة، ولا خبر يطفئ نيران الحيرة، وجدت نفسي في مواجهة الدنيا وحدي، أربي ثلاثة أطفال يطاردونني يوميًا بسؤال واحد: أين أبي؟ متى سيعود»؟
على مدار 19 عامًا، خاضت غادة – تعمل مساعد طبيبة - معارك ضارية على كافة الأصعدة، واجهت أزمات مادية طاحنة، وضغوطًا اجتماعية لا ترحم، بينما كانت تحاول الحفاظ على ثباتها النفسي من أجل أبنائها الذين كبروا وهم يقتاتون على قصص غيابه، تضيف غادة وهي تغالب دموعها: «كلما قلبت في أوراق الماضي وأمسكت بصورته، أشعر بوجع يمزق قلبي، لكنني أصمد من أجلهم.
واليوم، وبعد مرور عقدين من الزمان تقريبًا، ترفع غادة صرخة استغاثة إلى كل الجهات المعنية لمساعدتها في كشف مصير زوجها في السودان، لتنهي هذا الكابوس الذي طال أمده.
ورغم طول الغياب ومرارة الصمت، ترفض غادة أن تستسلم للهزيمة أو تعيش حدادًا مؤجلاً، فهي لا تزال تتمسك بخيط رفيع من النور، وتعيش على يقين داخلي يتحدى المنطق والزمن.
تختتم حديثها بنبرة يملؤها الصمود: تسعة عشر عامًا لم تنل من إيماني.. ما زلت حتى هذه اللحظة، رغم كل ما مررنا به، أنتظر صوته على الهاتف، وأراقب مدخل البيت بقلبٍ يخفق كلما اقتربت خطى على سلالم البيت، فلديّ أمل لا ينكسر بأن الباب سيُفتح يوماً، وسيدخل عبد القادر عائداً إلينا من جديد.
المفقود كالميت
ومن جهته أوضح المحامي زياد عبد الصمد: تبدأ الإجراءات بمحضر تغيب رسمي كإثبات حالة، وطبقاً لقانون الأحوال الشخصية (1 لسنة 2000)، لا يُعتبر الشخص مفقوداً قانوناً إلا بحكم قضائي، ترفع الأسرة دعوى «اعتبار المفقود ميتاً» أمام محكمة الأسرة بناءً على شهادة الشهود وتحريات المباحث وشهادة التحركات، وتنص المادة 10 من قانون (10 لسنة 2004) على ثلاث حالات: المفقود داخليًا لا يُعتبر ميتًا إلا بعد 4 سنوات، وفي الظروف الاستثنائية بعد سنة، أما المفقود خارج البلاد مع انقطاع مراسلاته، فتتراوح الأحكام بين عامين إلى 4 أعوام، وتستغرق الإجراءات القضائية قرابة 3 أشهر من رفع الدعوى حتى صدور الحكم واستخراج شهادة الوفاة، وهو إجراء ضروري لكي لا تظل الأسر معلقة سنوات بين الأمل والوداع.
اقرأ أيضا: خاص| بين نارين.. الهروب من العنوسة إلى «الطلاق المبكر»
تحركات لاحتواء أزمة الكلاب الضالة بإنشاء ملاجئ آمنة لهم
تزامنًا مع عيد الأضحى .. الداخلية تحكم قبضتها على الأسواق وتضبط المخالفين
تحــرك من مجــلس الشيـــوخ .. لتغليــظ العقوبات على المراهنات الرياضية







