فور إعلان نتيجة الثانوية العامة، تسود حالة من الزخم الشديد؛ يَعبُر طلاب، ويتعثّر آخرون ،كُلّ التبريكات للذين نَجَوا من هذا «الكابوس»، وخالص الأمنيات بحظٍّ أوفر للذين لم يوفّقوا.
إنّ مِن بين الذين مرّوا بتفوّق مَن لا يستحق المواقع المتقدمة، لقد وصلوا إلى القمة بـ«أساليب ملتوية»، بعضها حدث بالتسريب أو السمّاعات والأجهزة الدقيقة، وهنا تبدأ أُولى مراحل الكارثة؛ لأن الذين سلكوا هذا الطريق يهدمون جيلًا من الشباب، والآباء الذين مكنوا أبناءهم من ذلك، إنما ألقوا بهم في «طريق الهلاك»، خانوا رسالتهم ورسبوا في مهمة التربية.
وعليك قبل أن تغش نفسك بفرح وهمي، أن تُعيد حساباتك وتراجع الطريق منذ أول خطوة؛ لأن أولادنا أمانة وهبنا الله إياها وسيحاسبنا عليها، سندفع ثمن أخطائنا معهم، وسنجني ثمار ما غرسناه فيهم.. اسأل نفسك بصدق: ما إذا كان الذي يربطك بابنك «برًّا وطاعة» أم علاقة نفعية مجردة من كل القيم؟ وراجع ما بين «خَلِيفتك» وباقي إخوته في المنزل، دقق جيدا في سلوكه فيما مضى، وما يصدر منه الآن، وتوقع بنفسك ما سيكون عليه غدًا.
ليس مطلوبًا منك أن تخلّف لنا ابنًا يحمل لقب مهندس أو طبيب، لكن مفروض عليك أن تربي رجلًا يعرف الخير والحق والفضيلة؛ لأن الذي ينشأ على «الغش» لن يعرف الأمانة، وهو مادة خام للفساد، لن ينفع أحدًا - ولو كنت أنت - ولن يكون سعيدًا مهما امتلك من مال أو مناصب، سيعيش حياته «عقورًا» لا يتردد في نهش أقرب الناس إليه ليحصل على ما يريد، سيصيبك عقوقه - إذا بقيت حيًّا - وستلاحقك لَعَنَاته إذا رحلتَ وتركتَ الدنيا وما فيها.
و«التربية» هي اللَّبِنَة الأولى في بناء الأبناء، والصورة التي ينشأ عليها الطفل في بيته، تحدد ملامح مستقبله ومستقبل مجتمعه، وعندما يتساهل الآباء في غرس قيم الصدق والفضيلة، أو يسقطون في فخ تربية الأبناء على الغش والتحايل من أجل الوصول للأهداف، فإنهم يضعون مِعوَل هدم هذه الشخصية، ويرتكبون جريمة تمتد عواقبها الكارثية لتشمل الفرد والأسرة والمجتمع. سينشأ ابنك وتسكنه قناعة بأنه عاجز عن النجاح، ويتعوّد انتزاع حقوق الآخرين. ستكون «خِلْفِتَك الطين» فاقدة تقدير ذاتها؛ ذلك لأنه يعلم أن نجاحاته مزيفة ولا يستحقها.
لا تدفن رأسك في الرمال. حاول أن تُصلِح ما أفسدته؛ لأن الغش في الصغر لا يتوقف عند حدود ورقة الامتحان، لكنه سيتطور ويكبر ويمهد الطريق لجرائم أكبر كالسرقة، والتزوير، وأكل أموال الناس.. ويصير الكذب والتحايل مهارة يفتخر بها الأبناء بدلًا من اعتبارها رذيلة.
المجتمعات التي ينتشر فيها خريجون اعتمدوا على الغش محكومٌ عليها بالفشل؛ لأن المزوّرين والمخادعين يصلون إلى مناصب لا يستحقونها، ويتم تهميش أصحاب الكفاءات الحقيقية، وذلك الذي حذَّرت منه كل الأديان السماوية، ورسولنا يحذرنا من «زمن الرويبضة ولكع ابن لكع»، الذي لا نعرف له أصلًا ولا أهلًا، ويجلس على كرسي يمنحه التحكّم في أمور العباد.
رَبِّ ابنك على الخير، عَلِّمه كيف يقول الحق ولا يغتصب حقوق الآخرين، اغرس في قلبه الصغير أن رزقه وعمره في يد الله وحده، عَلِّمه كيف يجتهد وينجح ويصل إلى مقدمة الصفوف بالجد والسهر والاجتهاد.. لا تبتسم له حين يستولي على «لعبة» غيره، اضربه على يده وقل له «كُخ»- كما قال آباؤنا- الحقه والحق نفسك قبل أن يهوى إلى قاع «البِركَة العفنة»، وقبل أن تغوص أنت في «الكُخّ» كله، أو ينهي حياتك ويتخلص من أشلائك في صناديق القمامة.



شهرة تدمر الصورة
حركة التنقلات واستمرار الكفاءات
كيف يُصنع وعيُنا اللغوى الزائف؟









