لم تكن الجنازة في القاهرة قديمًا مجرد مراسم لوداع المتوفى، بل كانت مشهدًا اجتماعيًا وإنسانيًا يعكس قيم التكافل والاحترام.
فمن مواكب الأعيان التي تتقدمها المباخر والملابس الرسمية، إلى جنازات البسطاء التي اعتمدت على تضامن الأهالي، احتفظت العاصمة المصرية بعادات وتقاليد خاصة في تشييع الموتى، تركت بصمتها في الذاكرة الشعبية عبر أجيال متعاقبة.

- الجنازة.. رحلة الوداع الأخيرة
ارتبطت الجنازة في القاهرة منذ قرون بمشهد مهيب يجتمع فيه الأهل والجيران والأصدقاء لمرافقة المتوفى إلى مثواه الأخير. وكانت المشاركة في التشييع تُعد واجبًا دينيًا واجتماعيًا يعكس الوفاء والتراحم بين أفراد المجتمع.
وتأتي كلمة "مشيّع" من الفعل شيّع، أي رافق وسار مع شخص حتى نهاية الطريق، ولذلك يُطلق المشيّعون على من يحملون النعش أو يسيرون خلفه حتى المقبرة، في صورة تجسد قيم التضامن الإنساني.

- مطيّبو الجنازات.. مهنة ارتبطت بجنازات الأعيان
خلال أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، عرفت القاهرة مهنة خاصة ارتبطت بجنازات كبار الشخصيات والأعيان، عُرف أصحابها باسم "مطيّبي الجنازات".
وكان هؤلاء يتقدمون الموكب بملابس رسمية أنيقة تضم بدلات السموكينج والطرابيش وربطات العنق، ليمنحوا الجنازة مظهرًا يليق بمكانة المتوفى، كما كانوا يحملون مباخر نحاسية كبيرة تنبعث منها روائح العود والبخور، في أجواء يغلب عليها الوقار والهيبة.

- البخور والأدعية في مقدمة الموكب
لم يقتصر دور مطيّبي الجنازات على حمل المباخر، بل كانوا يرددون الأدعية والعبارات الجماعية التي تدعو للمتوفى بالرحمة والمغفرة، لتتحول الجنازة إلى مشهد يجمع بين الطقوس الدينية والعادات الاجتماعية التي اشتهرت بها القاهرة القديمة.

- حيلة بسيطة لمواجهة طرق القاهرة الترابية
قبل رصف الطرق المؤدية إلى المقابر، كانت الشوارع الترابية تمثل تحديًا للمشيعين، لذلك اعتاد مطيّبو الجنازات لف قطعة قماش أو مئزر حول أسفل سراويلهم لحماية ملابسهم الفاخرة من الأتربة والغبار أثناء السير لمسافات طويلة.

- جنازات البسطاء.. التكافل قبل المظاهر
في المقابل، كانت جنازات الفقراء أو الغرباء الذين لا عائلة لهم أكثر بساطة، إذ يتطوع الأهالي لتجهيز الجثمان والصلاة عليه ودفنه، في مشهد يعكس روح التكافل التي عُرفت بها الأحياء الشعبية في القاهرة، بعيدًا عن المظاهر الرسمية، لتبقى المشاركة الإنسانية هي العنصر الأهم في وداع الراحلين.
- ذاكرة اجتماعية لا تُنسى
ورغم اختفاء مهنة مطيّبي الجنازات وتغيّر الكثير من طقوس التشييع مع تطور الحياة، فإن مواكب الجنازات القديمة تظل جزءًا من التراث الاجتماعي للقاهرة، شاهدة على عادات وتقاليد جسدت الاحترام للميت والتكاتف بين أفراد المجتمع في لحظات الوداع الأخيرة.


«ماما في الفريزر».. حكاية مُخيفة داخل «عقار سيدي جابر»
حيّر العالم.. «قرص سابو» يكشف أسرار التكنولوجيا في مصر القديمة
عمره 240 مليون عام.. حكاية «الماستودونصور» أضخم مفترس في التاريخ






