قلب مفتوح

الكرة والسياسة

هشام عطية
هشام عطية


أسدل الستار على مونديال 2026. وتوجت إسبانيا بالبطولة عن جدارة واستحقاق. لكن مباريات المونديال، التى استضافتها ملاعب الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، كشفت عن حقيقة صارخة، وهى أن كرة القدم ليست مجرد منافسات رياضية للمتعة والترفيه تلعب على الملاعب الخضراء، ولكنها فى الأساس امتداد للصراعات الدولية ولكن بالقوة الناعمة.

خريطة المصالح الجيوسياسية والاقتصادية بات بالإمكان قراءتها على العشب الأخضر، مع كل هدف يحرز، ومع كل صفارة حكم، ترضى أو تغضب الجماهير.

تداعيات التوترات والحروب فى الشرق الأوسط امتدت إلى ملاعب كأس العالم، حيث حولت أمريكا المونديال إلى ساحة حرب موازية لإيران. لم يكتف الجانب الأمريكى بما تفرضه حاملات طائراته من حصار بحرى على مضيق هرمز والموانئ الإيرانية، بل فرض على المنتخب الإيرانى حصارًا بريًا وإداريًا أشد قسوة وإحكامًا، تمثل فى منع 15 فردًا من أعضاء بعثته، بينهم عناصر من الفريق الطبى، من الدخول إلى الأراضى الأمريكية. كما أجبر الفريق على خوض معاركه الكروية برحلة شاقة يومية من المكسيك إلى أمريكا، يعود بعدها فى اليوم ذاته. وهكذا، نجحت واشنطن فيما عجزت عنه حاملات طائراتها فى الخليج، إذ تمكنت من إقصاء إيران مبكرًا من دور المجموعات.

أثبت هذا المونديال أن لا أحد فى هذا الكوكب بمنأى عن جبروت أمريكا ويديها الثقيلتين، فقد استطاع ترامب أن يلغى بطاقة حمراء حصل عليها أحد لاعبى الفريق الأمريكى، فى سابقة لم يشهدها تاريخ كرة القدم. وفى الوقت الذى خضع فيه الفيفا ورئيسه إنفانتينو للغطرسة والقوة الأمريكية، عجزت تلك القوة عن مجابهة عدالة السماء، ليهزم الفريق الأمريكى أمام بلجيكا بأربعة أهداف، ليودع البطولة.

لم تكن المجازر الوحشية، التى ارتكبها الكيان الصهيونى بحق عشرات الآلاف من أبناء غزة بعيدة عن المونديال، وهذا ما تؤكده الفرحة الجارفة، التى عمت العالم إثر فوز إسبانيا بالبطولة، بعد مواقفها العادلة وعدائها الصارخ للعدوان الإسرائيلى على الفلسطينيين، وللانحياز الأمريكى إلى سفاحى تل أبيب. وكذلك تفجرت براكين الشماتة فى كل بلدان الدنيا عقب خسارة المنتخب الأرجنتينى للبطولة، بعد تأييد ودعم مجرمى إسرائيل - نتنياهو وبن غفير وسموترتش - لفريق ميسى، إلى جانب الظلم التحكيمى السافر لبعض الفرق، محاباة ومجاملة لميسى ورفاقه، بما يعكس اختلال المعايير، والكيل بمكيالين، تلك الظاهرة التى تسود العالم اليوم.

فى النهاية، لم تعد الكرة مجرد منافسة رياضية، بل أصبحت سياسة واقتصادًا وصناعة وموارد. ولعل ترامب، رئيس الصفقات، أسعد الناس فى العالم الآن، بعد أن حققت أمريكا مكاسب قدرها 15 مليار دولار من المونديال.