تمتلك مصر واحدة من أغنى التجارب السياحية الشاطئية على مستوى العالم وهذه الشواطئ تمثل رافدًا اقتصاديًا حيويًا ووجهًا حضاريًا يعكس ثقافة أمة بأكملها، إذ تجنى الدولة سنويًا مليارات الدولارات من قطاع السياحة، وتستحوذ السياحة الشاطئية على النصيب الأكبر من هذا الدخل.
ولكن، بعيدًا عن لغة الأرقام والاستثمار، يبرز السؤال الأصيل الذى يمسّ وجدان كل مواطن: لمن يعود هذا الشاطئ؟ الجواب تجسده المادة 32 من الدستور المصرى، وتؤكده القاعدة القانونية: شواطئ مصر، وضفاف نيلها، وبحيراتها، ومعالمها الأثرية ملكية عامة أصيلة للشعب المصرى وحده، مجردة من أى أوهام لاحتكارها أو تسليعها.
من حق المواطن فى ارتياد البحر والجلوس على رماله أو الاستمتاع بطبيعة وطنه هو حق دستورى أصيل وراسخ لا تملكه أى جهة أن تنتزعه أو تفرضه بسعر.
واللجوء إلى إسناد إدارة بعض المساحات الساحلية لمؤسسات استثمارية لا يعكس بأى حال «بيع البحر» أو خصخصة الحقوق الدستورية، وما يدفعه المواطن من مبالغ مالية ليس ثمنًا لخطواته فوق رمال الشاطئ، التى هى ملكية عامة بقوة الدستور، بل هو مجرد «رسم مالى» قانونى يُدفع نظير خدمات لوجستية محددة؛ فالأصل هو «مجانية» المورد الطبيعى، والاستثناء هو مقابل الخدمة المضافة.
إن الدولة، فى مفهومها الدستورى الرصين، ليست مالكة للأموال العامة، بل هى أمينة عليها، تباشر سلطاتها فى إدارتها وصيانتها وحمايتها نيابةً عن صاحب الحق الأصيل؛ وهو الشعب.
ولا يغير من هذه الطبيعة القانونية أن تعهد الدولة إلى شركات أو أفراد بإدارة المرافق أو استثمارها؛ فالإدارة شىء والملكية شىء آخر تمامًا، لذلك فإن الشركات التى تدير شاطئًا أو تقدم خدمة على ضفاف البحر والنهر أو تستثمر منشأة بجوار الأثر لا تملك البحر ولا النهر ولا الأثر، بل تمارس نشاطًا قانونيًا يخضع لرقابة الدولة ومقيدًا بالمصلحة العامة، وقابلًا للإنهاء متى اقتضت الضرورة ذلك، فالامتياز لا يهدم الأصل الدستورى الذى يقرر أن المال العام باقٍ على صفته، وأن الشعب يظل مالكه الحقيقى، مهما تعددت صور الإدارة.
إن حماية الأموال العامة تستهدف فى المقام الأول صيانة حق الجماعة الوطنية، باعتبارها وعاءً لسيادة الدولة وركيزة للعدالة الاجتماعية وضمانة لحقوق الأجيال القادمة، ومن ثم، فإن أى تنظيم تشريعى يجب أن يوازن بحكمة بين تشجيع الاستثمار والتنمية، وبين صون الطبيعة القانونية للموارد العامة، لئلا يتحول حق الانتفاع إلى امتياز احتكارى يحجب المواطنين عن حقوقهم.
فالدولة لا تبيع البحر، ولا تؤجر النيل، ولا تتنازل عن الأثر؛ لأن هذه جميعًا تظل ملكًا للشعب بأكمله، تستمد حمايتها من الدستور وفكرة السيادة، إن وعى المواطن بحقوقه، والتزام الدولة بأمانتها، هما الضمانة الأكيدة لتبقى شواطئ مصر وثرواتها مفتوحة لجميع أبنائها بلا استثناء، حاضرًا ومستقبلًا.


خديعة أم شىء آخر؟
الكرة والسياسة
مستقبل مصر التكنولوجى






