زهور وأشواك

جلال الأزهر.. «الإمام الطيب» وثورة يناير «2»

أحمد الخطيب
أحمد الخطيب


مثلّت أحداث ثورة 25 يناير فى 2011 وتوابعها، نقطة فاصلة وتحولًا جذريًا فى تاريخنا المعاصر، لاسيما بعد تداعياتها المتلاحقة فى مصر والمنطقة العربية، وصعود حركات الاحتجاج الشعبية على الأنظمة القائمة، حتى برزت المؤسسات الوطنية العريقة لتشكل حائط الصد الأخير لحماية المصالح الوطنية للدول ومنعها من الانهيار، وكان فى صدارة هذه المؤسسات: القوات المسلحة والأزهر الشريف بقيادة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، الذى اضطلع بدور المرجعية الجامعة لحقن الدماء ولم الشمل، وحماية مؤسسات الدولة، باستعادة موقعه كمصدر رئيسى للخطاب الدينى المعتدل.

صعد دوره وأخذ موقعه مع التصاعد الحاد فى الاستقطاب السياسى والأيديولوجى الذى ضرب البلاد، وهدد بتفكيك النسيج المجتمعى والانزلاق الجمعى نحو الفوضى.

حيث ارتكزت إدارة مؤسسة الأزهر بقيادة الإمام الأكبر الدكتور الطيب للأزمة على معادلة دقيقة جمعت بين الانحياز للتطلعات المشروعة للشعب وحرمة إراقة الدماء أو استباحتها من جهة، وصيانة الدولة ورعايتها من التفكك والانهيار من جهة أخرى، دون الاقتصار على إدارة المشهد ميدانيًا أو إطلاق مبادرات التهدئة، بل تعداه إلى امتلاك المبادرة التنويرية عبر صياغة وثائق تأسيسية تشكل عهدًا اجتماعيًا ومظلة توافقية لكافة التيارات والفئات الوطنية.

وجاءت «وثيقة الأزهر لمستقبل مصر» فى يونيو من عام 2011 ذاته، لتضع الأطر الجامعة لبناء دولة وطنية ديمقراطية دستورية تقوم على سيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والفصل بين السلطات، والاعتماد على الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسى للتشريع مع كفالة احتكام غير المسلمين لشرائعهم الدينية، كما نادت بالاستقلال الناجز للمؤسسات الكبرى وفى مقدمتها: الأزهر الشريف والسلطة القضائية، لمنع استقطابها أو توظيفها حزبيًا.

واستكمالًا لهذا المسار المتزن، أطلق الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر فى يناير 2012 «وثيقة منظومة الحريات الأساسية» لضبط الإيقاع الفكرى والمجتمعى فى خضم السجالات المحتدمة حول مستقبل الحريات بعد الثورات، بترسيخ 4 حريات جوهرية:

١- حرية العقيدة

٢-المواطنه الكاملة

٣- حرية الرأى والتعبير الملتزمة بنبذ الفتن الطائفية.

٤- حرية البحث العلمي، وحرية الإبداع الأدبى والفني.

ولم تقف جهود الأزهر الشريف عند حدود الساحة الداخلية المصرية، بل امتد أثر هذه الوثائق والسياسات ليمثل نموذجًا استرشاديًا للأمة العربية والإسلامية فى كيفية التعامل مع الأزمات المُركبة وتجاوز صراعات الهوية، مع تحصين السلم الأهلى عبر مبادرات عملية مثل: «بيت العائلة المصرية».

لم يكن قد مر على تولى الدكتور الطيب مشيخة الأزهر عدة أشهر عقب وفاة الدكتور سيد طنطاوي، وجد الرجل نفسه فى موقع المسئولية التاريخية الكبيرة لأداء الدور التاريخى فى تلك المرحلة الدقيقة، مما يؤكد أن هذه المؤسسة- فى عهد الطيب- ستظل العقل الراسخ والضمير الحى للوطن، والقادر على قيادة التوافق وصيانة الاستقرار فى أصعب وأخطر الفترات فى عمر الوطن.