أما بعد

‏Gen Z .. جيل لم يرَ العاصفة!

أحمد باشا
أحمد باشا


هناك حقيقة تتشكل بهدوء داخل المجتمع المصرى، وربما لم تحظِ بالقدر الكافى من الانتباه، وهى أننا أصبحنا أمام جيل كامل لم يعش أحداث عام 2011 وصولًا لثورة ٣٠ يونيو وما تلاها بوعى سياسى أو إدراك اجتماعى حقيقى. جيل لم يشاهد الدولة وهى تواجه أخطر اختبار فى تاريخها الحديث، ولم يعاصر سنوات الاضطراب بما حملته من قلق وخوف وانقسام، وإنما عرفها من خلال مقاطع قصيرة على منصات التواصل، أو رواياتٍ متضاربة، أو أحكام جاهزة لا تقدم سياقًا ولا تفسر الوقائع.

اليوم يدخل هذا الجيل إلى ساحات العمل والإنتاج، ويشارك فى تشكيل الرأى العام، ويبدأ فى اتخاذ مواقفه السياسية والاجتماعية. لكنه يفعل ذلك بعين تنظر إلى الحاضر فقط ، لا إلى المسار الذى قاد إليه. فهو ابن دولة مستقرة بالنسبة إليه، وابن بيئة رقمية تتدفق فيها المعلومات بلا ترتيب، وتختلط فيها الحقيقة بالرأى، والخبر بالشائعة، والوقائع بالسرديات المصنوعة.

ولذلك فإن الخطأ الأكبر هو أن نخاطب هذا الجيل بالأدوات نفسها التى خاطبت جيلًا عاش التجربة بنفسه. فالذاكرة لا تُورث، والمشاعر لا تنتقل بالإنابة، والتجارب الكبرى لا تصبح جزءًا من وعى الأجيال الجديدة لمجرد أن الآباء عاشوها. لكل جيل لغته، ومنطقه، وطريقته فى الاقتناع.

جيل Gen Z لا يتعامل مع الشعارات بوصفها حقائق، بل يسأل عن الدليل. لا يكتفى بالرواية الرسمية ولا بالرواية المضادة، بل يبحث عما يراه أكثر إقناعًا، حتى وإن كان مصدره مجهولًا على منصة رقمية. وهو جيل نشأ فى بيئة تمنحه القدرة على الوصول إلى آلاف الآراء فى دقائق، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على التمييز بينها.

وهنا تكمن القضية. فالمشكلة ليست أن هذا الجيل لا يعرف ما جرى، وإنما أن هناك من يسعى إلى تقديم ما جرى له من زاوية واحدة، أو إلى إعادة كتابة التاريخ بما يخدم أهدافًا سياسية أو أيديولوجية. وعندما يغيب الخطاب العقلانى القادر على التفسير، تتسع المساحة أمام السرديات البديلة، مهما كانت انتقائية أو مضللة.

إن بناء وعى هذا الجيل لا يكون بالتخويف، ولا باستدعاء لغة التعبئة القديمة، ولا بتكرار عبارات فقدت تأثيرها بمرور الزمن. وإنما يبدأ بالاعتراف بأننا أمام عقل مختلف، يتفاعل مع الصورة أكثر من الخطابة، ومع المعلومة المُوثقة أكثر من الشعور المجرد، ويحتاج إلى خطاب يحترم ذكاءه، ويشرح له كيف وصلت الدولة إلى ما هى عليه، وما الثمن الذى دفعه المجتمع كى يستعيد استقراره، بعيدًا عن المبالغة أو التهويل.

فالمعركة الحقيقية لم تعد معركة ذاكرة، بل معركة تفسير. وليست معركة بين جيلين، وإنما بين خطاب يكتفى بترديد ما يعرفه، وخطاب يمتلك القدرة على مخاطبة من لا يعرف. وإذا كانت الدولة قد نجحت فى عبور واحدة من أصعب مراحلها، فإن التحدى الجديد لا يتعلق بحماية الحدود فقط ، وإنما بحماية الوعى. لأن الأمم لا تخسر تاريخها حين تنساه، بل حين تترك الآخرين يكتبونه نيابة عنها.