وداعاً هانى شنودة «عراب» الأغنية المصرية الحديثة

رحل صديقى الكبير هانى شنودة
رحل صديقى الكبير هانى شنودة


أحب الموسيقى فى حلقات الذكر بمولد السيد البدوى.. ووالده شجعه على دراستها فى القاهرة

أسس فرقة «المصريين» بعد مشادة مع نجيب محفوظ فى حوار صحفى.. ورفض مقترح المنتج بتسميتها «المجانين»

صنع هوية محمد منير الموسيقية ورفض أن يغنى بـ «البدلة» من ألحان بليغ حمدى 

عبد الحليم حافظ أهداه «أورج» وطلب منه تجديد أغانيه وفرقته قبل وفاته بأشهر 
 

رحل صديقى الكبير هانى شنودة.. الموسيقار الذى جعلنى أرى وأسمع الموسيقى بشكل مختلف، وعلمنى معنى الإنسانية بين سطور كلماته، رحل هانى شنودة بعد أن رأيت السعادة على وجهه حينما لمس التقدير والعرفان أخيرًا.. فى لقائنا الأول منذ ثمانى سنوات، لمست فى صوته نبرة حزن على مشروع ومشوار لم ينل التقدير، وبعد سنوات، وبعد تكريمه بين القاهرة والعواصم العربية الأخرى رأيت فرحة طفل فى عينيه.. فى تلك اللحظة عرفت أن قطار «الرجل الطيب» هانى شنودة وصل المحطة الأخيرة.

عرفت هانى شنودة قبل أربعين عامًا.. لم أعرفه شخصيًا، ولم أعرف اسمه، فقط كنت هذا الطفل الذى تضطر أمه لتدير شريط الكاسيت على أغنية «ماشية السنيورة» كى يتناول إفطاره وسط محاولات للتدليل ومفاوضات لابتلاع الطعام!

كبرت قليلًا وسألت أمي، من هؤلاء الذين يغنون «ماشية السنيورة»؟!

عرفت منها أنهم فرقة «المصريين»، فقط هذا كل ما عرفته عنهم، مرت السنوات واختفت الفرقة، وكبرت وسألت نفسي، أين ذهبت «المصريين»؟ 


 

حسنًا كانت رحلة البحث عن المصريين خيطًا لمعرفة من هو الموسيقار هانى شنودة، رحلة امتدت لسنوات طويلة بين صفحات الجرائد والمجلات، وبرامج التليفزيون، وعشرات الكتب، وعشرات الشرائط لأصوات مثل محمد منير وعمرو دياب، ولقاءات عديدة لموسيقيين وكتاب وشعراء ومطربين مروا فى المشوار بحكم المهنة وبأمر الشغف.. انطلقت فكرة هذه المذكرات بعد نشر كتابى الأول «شريط كوكتيل» حكايات موسيقى الجيل فى شتاء 2017.


رحلة موسيقى التسعينيات المشحونة بحنين لمراهقة جيلي، فتحت الطريق لرحلة أخرى بحثًا عمن ضرب أساسات التجربة فى أرض الموسيقى المصرية البازلتية الطباع، قبل حميد الشاعرى الذى وضعنا اسمه على لافتة ضخمة فوق التجربة وكأنه صاحب المحل الوحيد، كان الآباء الأوائل للمشروع قد قطعوا شوطا طويلًا من النضال «الفني» لإقناع المجتمع بأن هناك موسيقى جديدة يسمعها العالم، ومن حق لغتنا العربية وثقافتنا المصرية أن تتزاوج مع هذا التطور فتنجب شيئًا مختلفًا جديدًا طازجًا تجرى الحياة فى شرايينه.

لم يعد مقبولًا أن يسمع العالم موسيقى الجاز، والفانك، والديسكو سترينج، ويدخل فى صياغة الموسيقى علوم مثل «الهارموني» بينما نحتفظ بموسيقانا فى صندوق قديم يدعى التخت الشرقي.

لو لم يحطم سيد درويش تابوه الغناء العثمانلى فى عصور سابقة، لما أدخل محمد عبد الوهاب ومحمد فوزى فيما بعد إيقاعات السامبا والرومبا والتانجو لموسيقانا المصرية، وبعدهما جاء هانى شنودة ليلقى ببذرة التوزيع الموسيقى الحديث فى تربة الموسيقى المصرية ويكتب الكلمات الأولى فى شهادة ميلاد مهنة الموزع الموسيقى على أغلفة شرائط المطربين.

لو اعتبرنا أن الموسيقى المصرية سيمفونية متكاملة، فهانى شنودة يمثل فيها جملة الصولو الرئيسية، فهو أول من أقدم على تأسيس فرقة موسيقية حديثة تغنى باللهجة المصرية، أول من أعلن ميلاد عصر الأغنية الاجتماعية على يدى فرقة «المصريين»، وأول من أدخل الآلات الموسيقية الحديثة على الأغنية الشعبية مع أحمد عدوية، وأول موسيقار مصرى يعيد توزيع أغانى موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بناء على طلبه شخصيًا لتغنيها نجاة الصغيرة، وهو الذى غير شكل الموسيقى التصويرية فى الأفلام، وقدم للساحة أصواتا عديدة أهمها عمرو دياب ومحمد منير.

لماذا هانى شنودة

أسباب كثيرة تجعل الموسيقار هانى شنودة أبًا روحيًا للموسيقى المصرية الحديثة، وصاحب الفضل فى ميلاد ما سمى فيما بعد بموسيقى الجيل التى شكلها تجاريًا حميد الشاعرى وشركاه، فضل هانى شنودة إنكار دوره لعقود طويلة، واكتفى بالمتابعة كأب روحى يبارك صنيعة يديه، ويراقب عن بعد، لم يكن ومازال من محترفى الدعاية، والتنقل بين كاميرات البرامج التليفزيونية لينسب نجومية هذا وذاك له.

التقيت بهانى شنودة فى مارس 2018، اتفقنا على تسجيل المذكرات فى لقاءات متتالية على مدار ستة أشهر تقريبًا، كان فى قمة سعادته لأن الأجيال الجديدة عرفته من خلال الموسيقى التصويرية لفيلم «شمس الزناتي» والتى استخدمتها إحدى شركات الاتصالات فى إعلان حقق نجاحًا كبيرًا، فبحث الناس عبر «السوشيال ميديا» عن صاحب المقطوعة، حكوا القصة بانبهار تماما كالذى يطغى الآن على كل ما تلقيه «النوستالجيا» أمامنا، ولأن نظرية الأوانى المستطرقة هى النظرية الوحيدة المُطبقة فى عالم الصحافة الاليكترونية الآن، انتقل دوى القصة من موقع «فيس بوك» إلى الصفحات الرئيسية لمواقع الأخبار، احتفوا بهانى شنودة واستضافته البرامج التليفزيونية التى أصبحت نافذه المصريين على الماضي.

يلتقط هانى تفاصيل ذكرياته كمن يصطاد عصافير فى السماء، يشترط ألا تسأله عن التواريخ والأرقام، هذه مهمتك التى ستتولاها ثم تعود لتراجع معه ما قيل، فتلين مفصلات الذاكرة وتعمل مجددًا بسلاسة.

أحببت موسيقى هانى شنودة، كما أسرتنى حكاياته، التى تخبئ كواليس وتفاصيل أحداث كبيرة كنا نراها من خلف نافذة زجاجية، ومنحنى الفرصة لأمر معه عبر الزمن، وأجلس فى حضرة نجيب محفوظ وصلاح جاهين، دعانى فى قصصه أن أشاركه قعدة سلطنة مع عبد الرحيم منصور وهما يصيغان أولى أغنيات محمد منير، وقفت إلى جواره وهو يستمع إلى عمرو عبد الباسط دياب، الشاب البورسعيدى الذى طرق بابا استراحته واستأذن فى الدخول ليسمعنا صوته!

تقاسمنا القهوة مع نجاة فى شرفة منزلها وهى تغنى «بحلم معاك»، وجلسنا معاً على مائدة الغداء فى بيت عبد الحليم حافظ، وسافرنا إلى طنطا لنستمع إلى موشحات النقشبندى فى ساحة السيد البدوى بعد صلاة التراويح.
ستة أشهر اصطحبنى خلالها فى رحلة طويلة التقطت فيها قطعة من زمن تمنيت أن أعيشه، وإن لم أعشه فمن حق صاحب هذه الرحلة أن يعيش للأبد بموسيقاه وبعض من ذكرياته.

طنطا والسيد البدوى

وإليك الآن عزيزى القارئ جزءا مما قاله لى فى الفصل الأول من كتاب «مذكرات العراب هانى شنودة».. حكاياته عن طنطا والنشأة وتفاصيل تقرأها لأول مرة.

«أنا من مواليد طنطا، 29 أبريل 1943، عائلتى من الطبقة المتوسطة، ولكننا كنا ميسورى الحال، والدى صيدلى ووالدتى ربة منزل، ولكنها كانت تجيد العزف على العود والبيانو وتملك صوتًا جميلًا لم يغادر ذاكرتى إلى الآن، اعتدنا أن تغنى لأم كلثوم وهى تعزف على البيانو، لا أعرف فى الحقيقة أين تعلمت كل هذا، ولا أذكر أننى سألتها».
«التحقت بمدرسة سعد زغلول الإعدادية ثم القاصد الثانوية، المدرستان حكوميتان، أيامنا كان الشاطر يلتحق بالمدارس الحكومية و«الخايب» من يلجأ أهله لإلحاقه بالمدارس الخاصة، المهم أننى حتى المرحلة الثانوية لم أكن غاويًا للموسيقى، شغفى الأكبر كان فى الرسم، ربما لأن أمى كانت تصف صوتى بالنشاز وتقول لى «ودنك بايظة» كلما حاولت الغناء مثلها!».

أظن أن الموالد فى طنطا بعدد شعر الرأس، فنقطة ارتكاز الدلتا يحج إليها أهل الطرق الصوفية والمريدون والدراويش والمنشدون والمداحون للارتواء بنعيم القرب من مقام السيد البدوى وعلاج الروح ببركة مولده، أو مولد «سيدى السيد» كما يسميه هانى شنودة وأهل طنطا.

فى البيت غرفة بيانو وأم تعشق الفن، وفى الشارع موالد وحلقات ذكر ومداحون، وفى الكنيسة رعاة وكورال، الموسيقى تحاصره، فأين المفر؟ 

«مولد سيدى السيد، مولد الشيخة صباح، ومولد سيدى الرفاعي، جعلت أذنى تتذوق الإنشاد الدينى والموشحات الصوفية، كنت مفتونا بهذا الفن، وأداء المداحين ورقص الدراويش وهم يتمايلون فى حلقات الذكر، كنت اشترى المزامير والطُبل من الموالد وألعب عليها، أذكر أننا كنا نجلس فى المقاهى نستمع إلى المنشدين وهم يغيرون كلمات الأغانى العاطفية ويولفونها على أغانى شعبية ومقاطع ونصوص من الذكر فى حب رسول الله وآل البيت، كانت فكرة عبقرية تثير دهشتي، تلك القدرة على التلوين والتغيير والمزج بين فنين مختلفين تمامًا».

«فى رمضان كنا نجتمع فى ساحة مسجد السيد البدوى ننتظر الشيخ النقشبندى ليطل علينا ويتحفنا بما فتح الله عليه، ظروف مثل هذه صعب أن تتكرر مع أحد.. كنت محظوظًا».

يؤمن هانى شنودة بأنه محظوظ، فى إحدى جلساتنا استغرق نصف ساعة تقريبًا ليشرح لى أسباب اعتقاده أنه رجل محظوظ، وفى هذا امتنان كبير للقدر، وزهد أكبر عن التباهى بالموهبة، المهم أن انطلاقته الحقيقية مع الموسيقى جاءت من غرفة بيانو الوالدة.

«كنت فى الصف الثانى الثانوى على ما أذكر عندما دخلت ذات غرفة البيانو فى بيتنا، ضغطت على مفتاح فسمعت نغمة (الدو) ثم ضغطت على آخر فسمعت (الري) ثم (اللا) لم أدرك أننى ألعب السلسلة التوافقية للموسيقى، أعجبنى الموضوع، احتللت غرفة البيانو ولم يقدر أحد من يومها على إخراجى منها، فى نفس الوقت كان لدى شلة تحب الموسيقى، على رأسهم عاطف منتصر الذى أصبح فيما بعد صاحب شركة (صوت الحب) ومنتج ألبوماتى وألبومات كبار النجوم، أنا وعاطف ومعنا سارى دويدار وماهر صادق كنا ننطلق بسيارة عاطف إلى طريق المعاهدة فى ضواحى طنطا، حيث كان الراديو يلتقط موجات الـ (إف إم) فى ليالى الصيف الرطبة، كنا نستمع للموسيقى الغربية ونضحك ونتحدث عن أحلامنا فى الموسيقى قبل أن نسلك طريقها الاحترافي، أما فى البيت فكانت شقيقتى الكبرى مغرمة ببرنامج إذاعى يدعى  out your request  أو (خارج ترشيحاتك) وهو برنامج متخصص فى الموسيقى الأجنبية وكنت معجبًا بما أسمعه فيه، كل هذا صب فى مخزون الوعى الذى كان يتشكل يومًا بعد الآخر، فأصبحت الموسيقى كل حياتي».

بعد فترة كون هانى شنودة فرقة خاصة فى مدرسته ضمت مجموعة من أبناء عائلة تدعى «الدفتار»، تأثرت الفرقة بالعازفين «الجريك» كما يصفهم فى البدايات حيث يقول: «فى طنطا وربما فى أغلب المدن المصرية كانت الفرق المكونة من العازفين اليونانيين تحتل كل النوادى وأماكن السهر، عرفنا منهم الموسيقى الغربية، بينما أنا كنت أراقبهم بدقة لأتعلم ما يفعلونه بالضبط، وأول شيء لفت انتباهى أن فى المقطوعات الغربية كل عازف له دور ويعزف شيئًا مختلفًا عن الآخر ولكن المنتج النهائى ممتع، عكس التخت الشرقى الذى كان يعزف كاملًا شيئًا واحدًا».

أنهى هانى شنودة دراسته الثانوية، وحان موعد تحديد المصير ولأنه كما يقول شخص محظوظ أنعم الله عليه بأب متفهم، أهداه الطريق دون تعنت أو اعتراض مثل أغلب العائلات التى كانت ترفض اتجاه أبنائها للفن فى تلك الفترة.
«والدى كان رجلًا حكيمًا، ولأنه صيدلى فقد كان مؤمنًا بالعلم فى كل شيء، بعد الثانوية  العامة قال لى «لو بتحب الموسيقى يبقى تدرسها، لازم تدرس الشيء اللى هتشتغله، وإلا مش هتنجح فيه، وموهبتك لوحدها مش هتسعفك، هتقطع جزء من الطريق بس مش هتعرف تكمل للآخر».

«كان محقًا فى رأيه، كلما كنت أتعلم شيئًا جديدًا بالسمع والمشاهدة، أجد أمامى عشرات الأسئلة وقت التنفيذ، إجاباتها الصحيحة والشافية فى الدراسة، الموسيقى علم وقواعد قبل أى شيء، وهذا العلم ساعدنى فيما بعد مثلا على تفكيك الجملة الموسيقية وإعادة توزيعها، وهو الذى ساعدنى فى تطبيق علوم الموسيقى الحديثة على موسيقانا العربية.. كانت نصيحة والدى هى الدليل الذى أرشدنى الطريق، طريق طويل ولكنه ممتع بدأته فى المعهد العالى للتربية الموسيقية بالقاهرة».