كنوز| استشهاد ضابط فى «خمس ساعات»

عبد القادر طه    --    د. يوسف إدريس
عبد القادر طه -- د. يوسف إدريس


علاقة الأديب والمفكر د. يوسف إدريس بثورة 23 يوليو 1952 علاقة محورية، بدأت بنشر مقالاته التى يرصد فيها التحولات الاجتماعية فى مجلة «التحرير» التى أصدرها الجيش فى سبتمبر 1952، وعكست كتاباته روح الأمل فى الاشتراكية التى تميزت به مجموعته القصصية «أرخص ليالٍ» عام 1954 التى تناول فيها مظاهر البؤس الاجتماعى قبل الثورة، وانتصر فى كتاباته للطبقات المطحونة، التى أهلته لنيل جائزة عبد الناصر فى الآداب عام 1969، وإعجابه الشديد بالثورة والتجربة الناصرية لم يمنعه من توجيه انتقاداتٍ لاذعة لبطانة السلطة التى صورها فى رواية «العيب» عام 1962 وركز فيها على تفكك القيم. 

وإيمان يوسف إدريس بتحولات ثورة 23 يوليو جعله يتجه للمسرح باعتباره الفن المباشر الأكثر جماهيرية، فكتب للمسرح «اللحظة الحرجة - والفرافير - والمخططين ... وغيرها»، وامتاز عن غيره من المبدعين الذين تأثروا بثورة يوليو بفهم عميق للمجتمع المصرى، لاقترابه من الفلاحين برغم ولادته فى عائلة ميسورة، لكنه مارس الكفاح الوطنى ضد الإنجليز والقصر الملكى عندما كان ناشطًا فى «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى».

وما لا يعرفه الكثير من معجبيه أن قصة «خمس ساعات» التى كتبها وجسدتها السينما هى قصة حقيقية تتعلق باستشهاد واحد من الضباط الأحرار، عندما كان مناوبًا ذات ليلة فى قسم الاستقبال بقصر العينى، وفوجئ بالناس تنقل إليه «عبد القادر طه» الضابط بالجيش المصرى، المصاب بطلقات الرصاص أثناء تواجده بمنطقة «المنيل»، وفوجئ د. يوسف إدريس بضابط من البوليس السياسى يساومه لكى لا ينقذ الضابط المصاب عبد القادر طه ويتركه بدون إسعاف ليموت، لكن ضمير د. يوسف إدريس الثورى العنيد جعله يرفض ما يمليه عليه ضابط البوليس السياسى ويطرده من المكان لإسعاف الضابط المصاب بمعاونة زملائه الأطباء، لكن الإصابة كانت خطيرة ومؤثرة فلقى ربه، وكتب يوسف إدريس هذه الحادثة فى قصة «خمس ساعات» التى تحولت لجزء من فيلم «ثلاث قصص» التى تولى إخراجها حسن رضا، وجسد رشوان توفيق دور الطبيب، وحمدى أحمد قام بدور طبيب التخدير، وجسدت نادية لطفى دور الطبيبة، أما محمود المليجى فقام بدور ضابط البوليس السياسى المُكلف من القصر الملكى بتصفية الضابط عبد القادر طه الذى جسد شخصيته حسين الشربينى. 

والشهيد عبد القادر طه من مواليد 1918 بمركز «الباجور» منوفية، التحق بالجيش المصرى، وشارك فى حرب 1948 بفلسطين، وانضم لتنظيم «الضباط الأحرار»، وأصدر منشورًا ذكر فيه ما جرى فى تلك الحرب، واتهم الملك بأنه المسئول عن حريق القاهرة فى 26 يناير 1952، وشاركه زميله مصطفى كمال صدقى فى طبع وتوزيع المنشور، فأمر الملك فاروق بتصفيته، وتولى أحد رجال فاروق عملية التصفية عندما استدرج عبد القادر طه إلى المنيل وأطلق عليه أربع رصاصات اخترقت جسده، ونقله الناس للقصر العينى ولفظ به أنفاسه الأخيرة، وخلده د. يوسف إدريس فى تلك القصة القصيرة التى جسدتها السينما فى فيلم من إنتاج مؤسسة السينما عام 1969، ولا ندرى لماذا يتم تجاهل عرض هذا الفيلم فى قنوات التليفزيون !