عندما نضىء اليوم الشمعة 74 لذكرى ميلاد ثورة 23 يوليو المجيدة، لابد أن نؤكد أن أسرار هذه الثورة وأثرها على ما حدث فى مصر والمنطقة والعالم من تغير جذرى، تتم قراءته من خلال رؤى كثيرة لمن عايشوها وعرفوا خلفياتها، ومن هؤلاء الكاتب الكبير محمد حسنين هكل صاحب الكتاب الشهير «سقوط نظام - لماذا كانت ثورة يوليو 1952 لازمة ؟» الذى يكشف فيه عدداً من الحقائق من خلال مجموعة من الوثائق البريطانية والأمريكية ومذكرات وشهادات أبطال تلك المرحلة، ويقول فى مقدمة كتابه: «فى قراءة التاريخ يتأكد لأى قارئ أن الصراعات الكبرى حضانة للتحولات الإنسانية الأهم، وأن الحروب باعتبارها الذروة الخطيرة للصراعات هى الولادة الطبيعية للتحولات المؤثرة على حياة ومستقبل الشعوب والأمم».
ويعتبر «هيكل» أن المسرح الخفى لثورة يوليو 1952 هو حادث 4 فبراير 1942، الذى تختصر قصته مدى الهيمنة البريطانية على مصر، ويتحدث هيكل بشكل مطول عن التأثير السياسى لشخص السفير البريطانى مايلز لامبسون الذى كان الحاكم الفعلى لمصر، ولم يغفل هيكل حق الملك فاروق عندما يقول: «ظهر الملك فاروق أمام الشعب المصرى شاباً مهيأً لملاقاة تغييرات ضرورية جاء وقتها وطال انتظارها»، ويوضح أن العلاقات المصرية - البريطانية أمكن ترتيبها فى معاهدة 1936، والنخب المثقفة التفت حول القصر، مثلما فعل شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغى لأن الفتنة كانت على وشك أن تتحرك وتدخل الشك البريطانى فى الملك عندما تقف وحدها فى ميدان القتال ضد هتلر!
ويوضح «هيكل» أن بداية الأربعينيات كانت مرحلة الاشتباك بين دول المحور ودول الحلف، وكان المشهد السياسى مرعباً عندما احتلت القوات الألمانية فى 17 يوماً بولندا، وسيكون الدور على بريطانيا وفرنسا لبسط السيطرة الألمانية على غرب أوروبا والاستدارة إلى الشرق حيث معاقل الخطر الشيوعى، وهذا الأمر فرض على الملك فاروق أن يختار بين البقاء وبين اقتراح الإيطالى «فيروتشي» كبير مهندسى القصر بالهرب بطائرة إلى ليبيا التى كانت وقتها مستعمرة إيطالية، لكن الملكة الأم نازلى أخذت بنصيحة رئيس الديوان أحمد حسنين باشا بأن يظل فاروق فى بلده، وإذا دخل الطليان أو الألمان لمصر سوف يكونون فى حاجة إلى تعاونه معهم أكثر من حاجته إلى تعاونهم معه، لأن هروبه سيجعل الإنجليز يسندون العرش إلى ولى عهده الأمير محمد على توفيق الطامع فى ذلك، وأدت كل شكوك الإنجليز إلى فقدان الثقة فى الملك ورئيس وزرائه، واقتنع السير لامبسون بحتمية عودة حكومة وفدية إلى السلطة لضبط الأمور وحفظ المصالح البريطانية العسكرية والسياسية، وهذا ما أدى إلى حادث 4 فبراير 1924 الذى انصاع فيه الملك لتهديد لامبسون واستدعى النحاس باشا لتشكيل الحكومة الوفدية. ويسرد «هيكل» تطورات الأحداث المتلاحقة وصولاً بحرب فلسطين وهزيمة الجيوش العربية، وحريق القاهرة، والاحتقان الذى كان يسود داخل الجيش والشارع والحياة السياسية بشكل عام حتى يصل بنا إلى تحرك الضباط الأحرار ونجاح ثورة 23 يوليو 1952، التى أُطلق عليها اسم الثورة البيضاء، وإجبار الملك فاروق على التنازل عن العرش لولى عهده أحمد فؤاد، ومغادرة البلاد فى 26 يوليو 1952، وتشكيل مجلس الوصاية على العرش، قبل أن يتم إلغاء الملكية وإعلان قيام الجمهورية فى 18 يونيو 1953.
ويؤكد «هيكل» من خلال الوثائق البريطانية أن الملك طلب التدخل العسكرى البريطانى لإجهاض التمرد عليه، ولم يتلقَ إجابة، وفكر فى «انقلاب أبيض» يعلن بعده «ديكتاتورية عسكرية» تحكم بمراسيم لها قوة القانون وتأجيل أى انتخابات برلمانية إلى أجل غير مسمى لكن حركة «الضباط الأحرار» سبقته وأجهضت تفكيره قبل أن تذهب به إلى المنفى، بدا فاروق مذعوراً، وفق برقية للسفير الأمريكى جيفرسون كافرى، الذى أخذ يهدئه دون جدوى. ويروى «هيكل» فى كتابه قصة تكشف طبيعة الموقف والحسابات المتغيرة، والدور الذى لعبه عبدالناصر، ففى اللحظات الأولى للحركة قبل أن تعلن بيانها الأول سأل رئيس الوزراء نجيب الهلالى، الذى تمكن من الوصول هاتفياً للصحفى الشاب المتواجد فى مقر القيادة «هل تستطيع سؤالهم إذا كانوا يريدون من الوزارة أن تستقيل؟»، والتفت الصحفى الشاب إلى اللواء نجيب ناقلاً السؤال فظهرت الحيرة على ملامحه، فأجاب عبد الناصر «له حق.. الأفضل أن تستقيل الوزارة»، ويقول «هيكل» إنه قال ما معناه أن الهلالى رجل نزيه، وهو بالكاد عاد أمس الأول إلى رئاسة الوزارة بعد موقعة هائلة من أجل التطهير، فرد عبد الناصر بما معناه: «إن ذلك خارج الموضوع ــ قل له إن ذلك طلبنا، وقد وفّر علينا أن نحرجه بأن نطلبه منه»، ويضيف «هيكل» أنه قصد أن يروى هذا الموقف لإثبات أن عبد الناصر رجل مختلف بقدرات غير عادية يتصرف بها فى الأوقات الحرجة التى وضحت فى الساعات الأولى من ظهوره على المسرح السياسى.
ويقول «هيكل»: «لم تكن حركة الضباط الأحرار مفاجئة تماماً، فقد كان الجو العام يشى بأن شيئاً داخل الجيش يمكن أن يحدث، وان هناك سخطاً منتشراً بالجيش يمكن أن يؤدى إلى عملية من نوع ما، حسب ما جاء فى برقية الوزير البريطانى المفوض فى القاهرة «مايكل كرسويل» إلى وزير خارجيته أنتونى أيدين فى 20 يوليو 1952، وجاء فى برقية أخرى أرسلت إلى هيئة أركان الحرب الإمبراطورية فى لندن بتاريخ 21 يوليو ما نصه: «المعلومات التى لدينا تؤكد أن هناك توتراً على نطاق واسع فى الوحدات العسكرية المصرية واحتمالات العصيان واردة»، ولهذا يشير «هيكل» إلى أن نجاح الحركة فى صبيحة 23 يوليو كان ملغماً باحتمال تدخل القوات البريطانية، التى بلغت 120 ألف جندى فى معسكرات قناة السويس لإجهاضها، وكانت هناك خطة جاهزة يطلق عليها «روديو» لاحتلال القاهرة والدلتا والإسكندرية عند أى طارئ مفاجئ، واعتمدت الخطة على القوة المجردة بلا أى غطاء قانونى بعد إلغاء اتفاقية 1936، ولم تكن هناك أى معلومات لها قيمة عن توجهات الحركة، ولا من يمسكون بزمام الموقف فتبدت تناقضات فى الاستنتاجات والتصرفات، وبقوة الوثائق الدامغة، فإن أى حديث عن صلة ما ربطت «الضباط الأحرار» بالاستخبارات الأمريكية محض كلام فارغ، ويذكر «هيكل» اتصال الأمير محمد على توفيق بمكتب وزير الخارجية بالتأكيد على أنه من الآن فصاعداً يعتبر المسئول عن حقوق الأسرة المالكة فى مصر، وقرارها فى الشأن المصرى فى يده وحده، ولم يدرك الأمير أن ما فى يده كان قبضة رماد من بقايا حريق، والقرار فى الشأن المصرى لم يعد لأسرة محمد على لأن صفحة من التاريخ قد طويت، وصفحة أخرى بدأت، ومعها زمان مختلف!
ويتطرق «هيكل» فى كتابه بعد ذلك إلى إيجابيات ثورة يوليو 1952 التى طغت على سلبياتها، فمن أهمها على الصعيد السياسى، نجاحها فى الاستقلال عن المستعمر الإنجليزى الذى كان يأمر وينهى فى البلد، وأعادت السيطرة على مقاليد الحكم لأيدى المصريين، وإلغاء الملكية، وإعلان الجمهورية، وتوقيع اتفاقية الجلاء التى أنهت وجود الإنجليز فى مصر، وإلغاء دستور 1923، وإعلان اللواء محمد نجيب أول رئيس مصرى للجمهورية، وفى 18 يونيو 1953 حققت ثورة يوليو بقيادة عبد الناصر نصراً سياسياً ضد فرنسا وإنجلترا وإسرائيل عام 1956، وشكلت حافزاً لكل الدول النامية لتقف فى وجه الاستعمار، وتغيرت صورة مصر من دولة مُحتلة إلى دولة قوية مؤثرة فى العالم عندما نجحت فى تأميم قناة السويس وإعادتها لأبنائها ومستحقيها، وجعلت الثورة من عبد الناصر قائداً إقليمياً مؤثراً، بمشاركته فى تأسيس منظمة عدم الانحياز عام 1961 تتويجًا لمؤتمر باندونج عام 1955، وإنشاء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، ومنظمة المؤتمر الإسلامى عام 1968، وأصبحت مصر الثورة فعالة فى جميع المستويات الإقليمية والدولية، من خلال دعم حركات التحرر من الاستعمار، كحركة المقاومة لتحرير الجزائر التى انطلقت من القاهرة عام 1954، وحركات تحرير اليمن والعراق ودول الخليج العربية، وميلاد المقاومة الفلسطينية من القاهرة عام 1965على أساس اللاءات الثلاثة «لا صلح.. لا اعتراف.. لا مفاوضات»، و»أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة «.
من كتاب «سقوط نظام»


كنوز| «نمر الثورة» فى ميزان اللواء محمد نجيب
كنوز| «فلسفة الثورة» فى ميزان «العقاد»
كنوز| «العميد» أول من أطلق على حركة الجيش مسمى «الثورة»






