بقلم: د. غادة محفوظ

قبل أن يسرقوا براءة أطفالنا رجاءٌ إلى البرلمان المصري

د. غادة محفوظ
د. غادة محفوظ


بقلم: د. غادة محفوظ

لم تعد أخطر الحروب تُخاض بالأسلحة، بل بالشاشات.

ولم يعد احتلال العقول يحتاج إلى جيوش، بل إلى هاتف ذكي في يد طفل، وخوارزمية تعرف كيف تقوده، خطوةً بعد أخرى، إلى عالم لم يختره، ولم يدرك مخاطره.

ولهذا لم تنتظر المملكة المتحدة حتى تتحول الأزمة إلى كارثة اجتماعية، بل أصدرت قانون السلامة على الإنترنت، الذي ألزم المنصات التي تقدم محتوى إباحيًا أو ضارًا للأطفال بتطبيق وسائل فعالة للتحقق من العمر، ومنح الجهات المعنية والشركات مهلة لتوفيق أوضاعها قبل بدء التنفيذ الإلزامي. لم يكن ذلك تقييدًا للحرية، بل إعلانًا بأن حماية الطفل مسؤولية الدولة قبل أن تكون مسؤولية الأسرة.

هذه التجربة لا تدعونا إلى التقليد الأعمى، وإنما تدعونا إلى التفكير بعقل الدولة التي تستشرف المستقبل، وتواجه المخاطر قبل أن تتحول إلى ظواهر يصعب علاجها.

وفي مصر، لا يمكن إنكار ما تبذله الدولة من جهود صادقة في ملف الحماية الرقمية. فقد شهدنا مبادرات للتوعية بالاستخدام الآمن للإنترنت، وجهودًا للمجلس القومي للطفولة والأمومة، ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إلى جانب تطوير خدمات الرقابة الأبوية، وإطلاق “شريحة الطفل”، والعمل على إعداد تشريع ينظم حماية الأطفال في البيئة الرقمية.

وكل هذه الجهود تستحق الإشادة… لكنها تحتاج إلى سند تشريعي ملزم.

فالعالم الرقمي لم يعد يهدد أبناءنا بالمحتوى الإباحي وحده، بل يهددهم بالعنف، والابتزاز الإلكتروني، والتنمر، والإدمان، والاستقطاب الفكري، والتلاعب النفسي، وهي مخاطر لا تقل خطورة عن أي تهديد يواجه المجتمع.

إن الأسرة وحدها لم تعد قادرة على المواجهة، لأن التكنولوجيا تتطور أسرع من قدرتها على المتابعة، ولأن الطفل أصبح يعيش في عالم رقمي مفتوح يتجاوز حدود المنزل والمدرسة.

لهذا، فإننا بحاجة إلى قانون مصري متكامل لحماية الطفل في البيئة الرقمية، يواكب التطورات العالمية، ويُلزم المنصات الرقمية ومقدمي خدمات الإنترنت باتخاذ إجراءات فعالة لحماية القُصّر، ويعزز أدوات الرقابة الأبوية، ويضع ضوابط قانونية للوصول إلى المحتوى المخصص للبالغين، مع الحفاظ على الخصوصية والحقوق التي كفلها الدستور.

إن بناء الإنسان هو جوهر الجمهورية الجديدة، ولا يمكن أن نتحدث عن بناء الإنسان بينما نترك وعي أطفالنا نهبًا لخوارزميات لا تعرف قيمنا ولا ثقافتنا ولا هويتنا.

وأخيرًا… هذا ليس مطلبًا سياسيًا، ولا رؤيةً نظرية، بل رجاءٌ من قلب كل أبٍ وأم، ومن كل خبير اجتماعي يرى ما يفعله العالم الرقمي بعقول أطفالنا.

نرجو من مجلس النواب المصري، في حقبته التشريعية الحالية، أن يمنح مشروع قانون حماية الطفل في البيئة الرقمية أولويةً عاجلة، وأن يخرج إلى النور تشريعًا يواكب المتغيرات العالمية، ويُلزم مقدمي خدمات الإنترنت وشركات الاتصالات بتوفير أدوات فعالة لحماية الأطفال من المحتوى الإباحي والضار، مع احترام الحقوق والضمانات القانونية.

إن سنَّ هذا القانون لن يكون تقييدًا للحرية، بل توسيعًا لمساحة الأمان، ولن يكون انتصارًا للتكنولوجيا، بل انتصارًا للطفولة المصرية.

ورجاؤنا إلى السادة أعضاء مجلس النواب: اجعلوا هذا القانون من أوائل التشريعات التي تُناقش في دور الانعقاد الحالي، لأن حماية أطفالنا ليست قضية مؤجلة، بل قضية أمن قومي وبناء إنسان. فكل يوم يمر دون تشريع شامل، يترك طفلًا جديدًا عرضةً لمخاطر عالم لا يرحم البراءة.

حماية الطفل ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية وطن بأكمله. والتاريخ لا يتذكر من سبق في التكنولوجيا فقط، بل يتذكر أيضًا من سبق في حماية الإنسان