هناك من يظن أن كرة القدم تبدأ عندما يطلق الحكم صافرة البداية، وتنتهي عندما يرفع القائد الكأس. وهذه واحدة من أكبر الأوهام. فالمباراة ليست إلا الصفحة الأخيرة في كتاب طويل، أما الفصول الحقيقية فتُكتب في غرف الاجتماعات، ومراكز التدريب، وعقول الذين يرون الغد قبل أن يراه الآخرون.
ولهذا، فإن التاريخ لا ينصف دائمًا أصحاب الهتافات، لكنه في النهاية ينحاز إلى أصحاب الرؤية. فالإنجاز الكبير لا يولد من ضربة حظ، ولا تصنعه المصادفات، وإنما تكتبه سنوات من التخطيط والصبر والعمل المتواصل.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الصعب الحديث عن مسيرة المهندس هاني أبوريدة داخل الكرة المصرية باعتبارها مجرد فترة إدارية عابرة. فالرجل ارتبط اسمه بمحطات استثنائية، خصوصًا في المناسبات المونديالية، حتى أصبح أكثر رؤساء اتحاد الكرة المصري حضورًا في تاريخ مشاركات الفراعنة بكأس العالم.
فالمنتخب المصري تأهل إلى نهائيات كأس العالم أربع مرات فقط منذ انطلاق رحلته الكروية، وجاءت اثنتان من هذه المشاركات خلال فترة رئاسة هاني أبوريدة، الأولى في روسيا عام 2018، والثانية في مونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك 2026. وعندما يتكرر الإنجاز في حقبة واحدة، فإن الأمر يتجاوز حدود المصادفة إلى مشروع يعرف كيف يحدد أهدافه، وكيف يسير إليها.
ولم يكن التأهل إلى كأس العالم هو المحطة الوحيدة في هذه الرحلة، فالتاريخ يحتفظ أيضًا بصفحات مضيئة شهدت مشاركة أبوريدة في صناعة جيل استثنائي قاده المعلم حسن شحاتة إلى احتكار لقب كأس الأمم الإفريقية ثلاث مرات متتالية، وهو إنجاز سيظل واحدًا من أعظم الإنجازات في تاريخ الكرة الإفريقية. وقبل ذلك، كان حاضرًا في تجربة منتخب الشباب بقيادة الكابتن شوقي غريب، التي انتهت ببرونزية كأس العالم، ثم تواصلت النجاحات مع منتخبات الأوليمبي والشباب والناشئين، لتؤكد أن الاهتمام بالقاعدة كان خيارًا استراتيجيًا، لا قرارًا مؤقتًا.
ولأن العمل الحقيقي يفرض احترامه خارج الحدود أيضًا، جاءت جائزة أفضل رئيس اتحاد إفريقي التي منحها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لهاني أبوريدة عام 2017، لتكون اعترافًا بمكانة اكتسبها عبر سنوات من العمل. ثم جاءت مناصبه القارية والدولية لتمنحه مساحة أوسع للتأثير، حيث يشغل موقعه كأقدم عضو بالمكتب التنفيذي للاتحاد الدولي لكرة القدم، وعضو بالمجلس الدولي المسؤول عن اعتماد وتطوير قوانين اللعبة، وهو المجلس الذي يرسم ملامح كرة القدم في العالم.
هذه الخبرات لم تكن مجرد ألقاب تزين السيرة الذاتية، وإنما تحولت إلى قيمة انعكست على الكرة المصرية في السنوات الأخيرة، فاستعادت كثيرًا من حضورها القاري والدولي، وظهرت بصورة أكثر نضجًا خلال مونديال 2026، الذي يختتم منافساته بالمواجهة المرتقبة بين الأرجنتين وإسبانيا.
وكان من حسن حظ جيل العميد حسام حسن أن يعمل في ظل إدارة تمتلك هذا الرصيد من الخبرات والعلاقات. فالعميد، بما يحمله من شخصية قوية وطموح لا يعرف التراجع، كان يحتاج إلى منظومة تفتح أمامه الأبواب، وتوفر له الظروف التي تساعده على تحويل الحماس إلى نتائج.
وقد حدث ذلك بالفعل.
فخلال الأشهر التي سبقت السفر إلى كأس العالم، نجح اتحاد الكرة في توفير برنامج إعداد قوي، كان أبرز محطاته خوض مباريات ودية أمام مدارس كروية عملاقة مثل إسبانيا والبرازيل. ولم تكن هذه المواجهات مجرد تجارب فنية، بل كانت استثمارًا في شخصية اللاعب المصري، حتى يدخل البطولة وهو يؤمن بأنه قادر على منافسة الكبار، لا الاكتفاء بمجرد الظهور أمامهم.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يقدم المنتخب المصري واحدة من أفضل مشاركاته المونديالية، فيناطح منتخب بلجيكا، ويقصي منتخب أستراليا، ويقدم مباراة كبيرة أمام منتخب الأرجنتين، المرشح الأبرز للفوز باللقب، ليؤكد أن الفارق بين الطموح والقدرة بدأ يتقلص، وأن المنتخب بات يمتلك شخصية مختلفة.
لكن كرة القدم لا تنمو داخل الملاعب وحدها، وإنما تحتاج إلى ظهير وطني يؤمن بها.
وقد بلغت هذه الصورة ذروتها مع الدعم الكبير الذي وفرته الدولة المصرية للمنتخب، بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي حرص على تكريم اللاعبين والجهاز الفني في احتفالية مميزة بمدينة العلمين، قبل أن تحتضن مدرجات استاد القاهرة احتفالًا جماهيريًا جسد حجم الفخر بما قدمه المنتخب في المونديال.
وفي الوقت نفسه، تحولت مراكز الشباب في جميع محافظات الجمهورية، بإشراف ومتابعة الدكتور جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة، إلى ساحات وطنية لمتابعة مباريات المنتخب عبر الشاشات العملاقة، حيث بلغ عدد الجماهير التي تابعت المباريات نحو اثني عشر مليون مشجع، في مشهد يعكس حجم الالتفاف الشعبي حول المنتخب الوطني.
واليوم تبدو الكرة المصرية أمام فرصة لا ينبغي التفريط فيها. فوجود قيادة سياسية داعمة، وإدارة تمتلك الخبرة الدولية، وجهاز فني يقوده حسام حسن بروحه القتالية، وجيل من اللاعبين اكتسب الثقة في مواجهة كبار العالم، كلها عناصر تؤكد أن ما تحقق ليس نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة.
ويبقى التحدي الحقيقي هو استمرار البناء، لأن العودة إلى منصة التتويج الإفريقية، الغائبة منذ عام 2010، لن تتحقق إلا بالاستمرار في الاستثمار داخل منتخبات الناشئين والشباب والأوليمبي، وهي الفلسفة التي آمن بها هاني أبوريدة منذ سنوات، باعتبارها الضمان الحقيقي لاستمرار الإنجاز.
كما أن ما تمتلكه الكرة المصرية اليوم من مواهب، إلى جانب المنشآت الحديثة، وفي مقدمتها مقر المنتخبات الوطنية الذي جاء فكر فيه ونفذه أبوريدة ليواكب أكبر المراكز الأوروبية، يمنح هذا المشروع كل مقومات النجاح.
إن الإنجازات لا تعيش على الذكريات، وإنما تعيش على القدرة على إنتاج إنجاز جديد. وهذه هي الرسالة الأهم التي تقدمها التجربة المصرية اليوم؛ فالمستقبل لا يُصنع بالأمنيات، وإنما بالعقول التي تؤمن بأن البطولة ليست محطة وصول، بل بداية لطريق أطول. وعندما تتحول الرؤية إلى ثقافة، والعمل إلى عادة، يصبح المجد استمرارًا طبيعيًا، لا مفاجأة تنتظرها الجماهير كل عدة سنوات.


..لا تكن أبدًا وحيدًا
سلوك المنتخب مشرف
ملعب الوزير





