●● فى الحرب الأمريكية على إيران، كان الهدف القضاء على البرنامج النووى الإيرانى، وتحطيم القوة الصاروخية.. غير أن تطورات الحرب كشفت أن الصواريخ لم تكن سوى عنوان، وأن النووى لم يكن سوى المدخل، بينما كانت الجغرافيا هى القضية التى فرضت نفسها على الجميع.
●● فجأة لم تعد المعركة تدور حول منشأة نووية هنا، أو منصة صواريخ هناك، وإنما تحول الصراع من تخصيب اليورانيوم إلى مضيق هرمز، ومن تدمير القدرات العسكرية ، إلى السيطرة على أهم ممر للطاقة فى العالم.. وهنا تبدلت قواعد اللعبة، لأن من يملك التأثير فى هرمز لا يهدد خصمه وحده، بل يمسك بإحدى أكثر أوراق الضغط تأثيراً .
●● الولايات المتحدة التى أعلنت أن هدفها إزالة الخطر الإيرانى، وجدت نفسها منشغلة بحماية الملاحة الدولية وتأمين تدفق النفط، وتحولت من تدمير القدرات الإيرانية إلى احتواء نتائجها.
●● هذا التحول يكشف حقيقة أن القوة العسكرية تستطيع تدمير أهداف، لكنها لا تستطيع تغيير حقائق الجغرافيا.. فالمضائق لا تٌقصف، والمواقع الإستراتيجية لا تٌمحى من الخرائط، والنفوذ الذى تصنعه الطبيعة لا يمكن إزالته بالقوة وحدها.
●● إيران من جانبها أدركت أن قوتها ليست فقط فيما تمتلكه من صواريخ أو منشآت، وإنما فى موقعها الجغرافى.. لذلك بدا وكأنها تنقل المعركة من المجال الذى تتفوق فيه واشنطن عسكرياً إلى المجال الذى تمتلك فيه هى أوراق ضغط يصعب تجاوزها.
●● أما الولايات المتحدة فقد اصطدمت بمأزق يتكرر فى معظم حروبها الحديثة، فكلما اقتربت من تحقيق هدف عسكرى، ابتعد الهدف السياسى.. وهذا هو الفارق بين كسب معركة، وكسب حرب، فالمعارك تحسم بالنيران، أما الحروب فتحسمها السياسة وقدرة المنتصر على فرض واقع جديد يقبله الجميع.
●● والسؤال ليس من الذى أصاب أهدافاً أكثر.. بل من الذى فرض أجندته على مسار الصراع؟.. فإذا كانت الحروب قد بدأت بالصواريخ وانتهت عند هرمز، فهذا يعنى أن مسارها تغير، وأن الأولويات تبدلت، وأن الجغرافيا استعادت دورها القديم بوصفها اللاعب الذى لا يهزم.
●● لعل الدرس الأهم أن الدول الكبرى تستطيع امتلاك أحدث الأسلحة، لكنها لا تستطيع تغيير الخريطة.. فالجغرافيا كانت، ومازالت القوة الصامتة التى تعيد صياغة الإستراتيجيات، وتجبر الجيوش على مراجعة خططها، وتكشف أن خرائط المصالح تبقى أطول عمراً من بيانات النصر.
●● ولهذا فإن الغلبة الحقيقية لن تكون لمن يعلن النصر أولاً، وإنما لمن يخرج من الحرب وقد فرض معادلة جديدة.
فالحروب لا يكتب نهايتها الجنرالات وحدهم، وإنما يكتبها أيضاً موقع على الخريطة.. اسمه مضيق هرمز .


(الإنسان .. وبناء الدول) (٢/٢)
هل قالها ترامب ؟!
دكتور أحمد صادق وتطوير الحوض المرصود





