رادار القلم

إفريقيا لا تبحث عن بديل.. بل عن قرار مستقل

د. أحمد أسعد
د. أحمد أسعد


أنهت هذه الدول الوجود العسكرى الفرنسى على أراضيها، وخفضت مستوى علاقاتها مع باريس بدرجات متفاوتة

لطالما شكلت إفريقيا مصدراً رئيسياً للموارد الطبيعية المهمة، غير أن استغلال هذه الثروات أسهم فى تكريس أنماط من الاستعمار الاقتصادى فى عدد من دول القارة، إذ أدى تصديرها فى صورتها الخام إلى حرمان الاقتصادات الإفريقية من القيمة المضافة الناتجة عن التصنيع، كما أتاح مجالاً أوسع لتزايد التدخلات الأجنبية فى الشئون الداخلية لدولها.
وتمتلك إفريقيا العديد من الموارد المعدنية الهامة، فهى تمتلك 81% من احتياطى الفوسفات الصخرى الذى يدخل فى صناعة الأسمدة الزراعية، وتشير تقديرات مؤسسات إفريقية وأممية إلى أن القارة تمتلك 40% من الذهب بالعالم، وتنتج 81% من البلاتين، و55% من الألماس الطبيعى، و75% من المنجنيز الذى يدخل فى صناعة الحديد والصلب. كما أن القارة تطل على عدة ممرات بحرية مهمة تمثل حلقة الوصل بين الشرق والغرب، وهى: قناة السويس، مضيق باب المندب، مضيق جبل طارق، قناة موزمبيق التى تفصل موزمبيق ومدغشقر وتشكل ممراً بين شرق إفريقيا والمحيط الهندى، ومسار رأس الرجاء الصالح الذى ظهرت أهميته مؤخراً عند تهديد مضيق باب المندب من قبل الحوثيين.
ونظراً لهشاشة بعض دول القارة خاصة فى شرق وغرب إفريقيا، فقد وجدت التنظيمات الإرهابية الدولية فى هذه الدول ملاذاً آمناً تستطيع من خلاله توفير مواردها الاقتصادية، وكذلك التوسع جغرافياً واكتساب النفوذ داخل بلدان القارة، وقد استغلت دول كبرى مثل فرنسا هذا الموقف، وقامت بعرض خدماتها الأمنية والعسكرية للمساعدة فى القضاء على هذه التنظيمات، غير أن المقاربة الفرنسية غلب عليها البعد الأمنى قصير الأجل وحماية المصالح الإستراتيجية، بينما ظلت نتائجها محدودة فى بناء قدرات وطنية مستدامة تمكن هذه الدول من مواجهة الإرهاب ومعالجة أسبابه السياسية والاقتصادية.
وقد أسهم فشل هذه المقاربات الأمنية إلى جانب ضعف الحوكمة وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتصاعد الغضب الشعبى، فى تهيئة البيئة لعودة الانقلابات العسكرية، فى محاولة من هذه القيادات العسكرية إلى الاستئثار بهذه الثروات لصالح الدولة - كما تدعى - وكذلك للقضاء على تلك التنظيمات الإرهابية التى تحظى أيضاً بجزء من هذه الثروات، وتقوم بفرض سيطرتها على بعض أقاليم هذه الدول، وقد تجلت هذه الانقلابات فيما شهدته مؤخراً دول مالى والنيجر وبوركينافاسو، وقد أنهت هذه الدول الوجود العسكرى الفرنسى على أراضيها، وخفضت مستوى علاقاتها مع باريس بدرجات متفاوتة، ووصل الأمر فى بعض الحالات إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، وذلك بدعوة إن فرنسا هى امتداد للاستعمار الذى شهدته هذه الدول من قبل، ولكن من الناحية الاقتصادية، وبالرغم من ذلك فقد استعانت هذه الأنظمة بقوات عسكرية أجنبية أخرى متمثلة فى الفيلق الإفريقى الروسى، غير أن الاستعانة بالفيلق الإفريقى الروسى لم تنجح حتى الآن فى وقف التدهور الأمنى، إذ واصلت التنظيمات المسلحة توسيع نطاق عملياتها، ووصلت هجماتها إلى مراكز عسكرية وسياسية واقتصادية رئيسية فى مالى، التى نجد مثالاً أكثر دلالة منها على ما قد تبلغه الدولة من هشاشة، فى ظل تمدد التنظيمات الإرهابية وتصاعد النزعات الانفصالية التى تمثلها حركات الطوارق فى شمال البلاد، بما جعلها نموذجاً واضحاً لعواقب الارتهان للخارج، وضعف مؤسسات الدولة، وتآكل القدرة على اتخاذ قرار سيادى مستقل.
ومن هنا يمكن القول إن استقلال الدول الإفريقية يبدأ بإرادة وطنية حقيقية، تترجم إلى مؤسسات قوية وسياسات مستقلة تحمى السيادة، وتحول الموارد الطبيعية إلى صناعات ذات قيمة مضافة، وتصون القرار الوطنى من التبعية والتدخلات الخارجية.
عميد أ.ح متقاعد