حبر قلم

المليارات المشفرة

محمد عبيد
محمد عبيد


أثار انتباهى بشدة البيان الذى أصدرته النيابة العامة مطلع الأسبوع الجارى، والذى كشفت فيه عن التحقيق فى 437 قضية غسل أموال مرتبطة بالعملات المشفرة، بلغت قيمتها نحو 7٫89 مليار جنيه و318 مليون دولار. أرقام مرعبة بكل المقاييس، ليس فقط لأنها تعكس حجم الأموال المتداولة خارج الأطر المشروعة، وإنما لأنها تمثل ما نجحت الدولة فى ضبطه، بينما يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: كم يبلغ حجم الأموال التى لم تُكتشف بعد؟
تكمن خطورة البيان فى أنه لا يقتصر على إعلان أرقام أو نتائج تحقيقات، بل يكشف عن تطور لافت فى طبيعة الجريمة الاقتصادية. فلم تعد عمليات غسل الأموال تعتمد على الأساليب التقليدية، بل انتقلت إلى فضاء رقمى شديد التعقيد، تستخدم فيه المحافظ الإليكترونية وتقنيات «البلوك تشين» والعملات المشفرة لإخفاء مصادر الأموال وإضفاء الشرعية عليها.
واللافت أن النيابة العامة لم تكتفِ بالملاحقة الجنائية، بل أعلنت اتخاذ إجراءات قانونية ومصرفية لتحويل العملات المشفرة المضبوطة إلى المحفظة الوطنية، ثم تسوية قيمتها بالدولار وإيداعها فى الخزانة العامة، بما يؤكد أن الدولة لا تلاحق الجناة فقط، وإنما تحرص أيضًا على استرداد حقوق المجتمع والاستفادة من متحصلات الجرائم لصالح الاقتصاد الوطنى.
كما يكشف البيان عن امتلاك جهات إنفاذ القانون قدرات تقنية متقدمة لتتبع التحويلات الرقمية وتحليل مساراتها، وهو تطور مهم يؤكد أن التكنولوجيا لم تعد حكرًا على المجرمين، بل أصبحت أداة فعالة فى كشفهم ومحاسبتهم.
الرسالة الأهم فى هذا البيان أن العالم الرقمى ليس منطقة خارج القانون، وأن العملات المشفرة، رغم ما توفره من سرعة وخصوصية، لا تمنح حصانة لمن يستغلها فى إخفاء الأموال غير المشروعة. فكل معاملة تترك أثرًا رقميًا، وكل أثر يمكن تتبعه بالإرادة والخبرة والأدوات المناسبة. وفى ظل هذا الواقع، تصبح معركة مواجهة غسل الأموال مسئولية مشتركة، تبدأ بتطوير التشريعات، وتمر برفع الوعى المجتمعى، ولا تنتهى عند يقظة أجهزة العدالة فى حماية الأمن الاقتصادى للدولة.