إنها مصر

حين تتحول الثروة إلى لعنة!

كرم جبر
كرم جبر


قد تتحول الثروة إلى لعنة، فتُظهر وجهًا مظلمًا يدفع كثيرين إلى الترحم على بساطة العيش.. الثراء والفقر، إذا أسيئ استخدامهما، يلتقيان فى مستنقع الطمع.. الثروة الجامحة تشبه ماء البحر، كلما شرب منه الإنسان ازداد ظمأً، لا يرتوى ويصبح أسيرًا للعطش.
والصراع حول ثروة قامات تعليمية شامخة، كالدكتور صديق عفيفى والدكتورة نوال الدجوى، هو نتاج لهذه المعضلة الإنسانية، رغم سمعتهما الطيبة والإنجازات الرائعة.
صراع الثروة يجسد مأساة العمالقة، حيث يتشابه هذان العلمان، فى أنهما شيدا صروحًا تعليمية عملاقة، خرّجت أجيالًا تبوأت أرقى المناصب وأهم الأعمال، ولم تأت النيران من منافسيهم أو خصومهم، بل من داخل البيت، من الأبناء والأحفاد، الذين تمتعوا بثروات طائلة، تكفى أن تؤمن لهم حياة ميسورة لأجيال قادمة، وأشعلت الصراعات، التى تستبيح بقسوة تاريخ الآباء.
شهادة وفاء وألم على الواقع.. فقد عرفت الدكتور صديق عفيفى عالمًا جليلًا، اتسم بدماثة الخلق، بدأ مسيرته منذ أن كان أستاذًا جامعيًا مرموقًا بكلية التجارة بجامعة أسيوط فى السبعينيات، ثم شيد بعرقه وكفاحه إمبراطورية تعليمية مترامية، وكذلك استحضرت ذاكرتى الدكتورة نوال الدجوى، وأتيحت لى فرصة محاورتها تليفزيونيًا عبر قناة «المحور» منذ ربع قرن، ولمست أثناء ضيافتها لى فى شقتها بـ «الزمالك»، عقلية مرتبة وشخصية لا تستحق، إلا الوفاء والعرفان.
المشاهد تضعنا أمام تساؤل مؤرق، يفرض نفسه بقوة على المشهد العام: هل أصبحت بعض الجامعات الخاصة «مناجم ذهب»، تضخ المليارات فى الخزائن، متناسين أن تلك الصروح وُلدت من رحم الرؤية والرسالة العلمية، لا من طمع الورثة والمقتسمين؟.
■ ■ ■ 
نماذج نفتش عنها.. الأم التى تحتضن الصغير والكبير بحنانها، والأب الذى يرتدى ثوب الصديق، ويجالس أبناءه، ويصغى إليهم بقلب طيب، ويغرس فيهم الثقة.
البيوت التى تجافيها المحبة، تبقى أسيرة الشقاء، حتى إن سكنت بالقصور واكتنزت الثراء، فالمال يشترى الراحة لا الطمأنينة، وكم من أسر أغدقت عليها الدنيا خيراتها، لكنها أخفقت فى غرس القيم فى نفوس أبنائها، فتحولوا إلى مصدر قلق وألم، بعد أن كانوا أمل المستقبل.
الأم الصالحة هى نبض الحياة وموطن الحنان، وسيدة القلوب، ليست شخصًا عابرًا فى سنوات العمر، وهى وطن صغير يأوى إليه القلب كلما أنهكته الأيام، ونبع لا ينضب من العطاء.. اغتنموا وجودها، واملأوا أيامكم بقربها، فما أقسى لحظة الفراق حين تتحول الذكريات إلى حنين لا يهدأ، ووجع فى القلب كلما مرّ طيفها فى الخاطر.
والزوجة الوفية نعمة الحياة، وسرّ من أسرار بهجتها، وبرحمتها وتضحيتها يكتمل دفء البيت، وتستقيم مسيرة الأسرة، ومن يحسن الوصول إلى قلبها بالمودة والاحترام، تنفتح أمامه أبواب الدعاء.
الجمال الحقيقى لا تصنعه الثروة، ولكن تصوغه العقول المتسامحة والأرواح الطيبة والقلوب الصافية، ومن يجمّل نفسه بالأخلاق، يرى العالم أبهى جمالًا.