من التفاهم للمواجهة.. مضيق هرمز يعيد رسم «قواعد الاشتباك» بين  أمريكا وإيران

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


مع تصاعد حدة المعارك بين واشنطن وطهران، تلتفت الأنظار حول مدي جدية مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، حيث دفع الخلاف حول كيفية إدارة مضيق هرمز إلي حرب مفتوحة ، ولكن إلي مدي؟

لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن جولة أخرى من القتال قادرة على تغيير الأسس التي بنيت عليها المذكرة ، ما يدفع الطرفان للتفاوض بشأنها، وإذا حالفهم الحظ فقد يؤدي انهيار مذكرة التفاهم إلى جولة أخرى من المحادثات التي تتلاشى فيها أخيرًا جاذبية إعادة تشكيل الحقائق على الأرض بالقوة.

ولفت نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي والمتخصص في الشأن الإيراني تريتا بارسي، في تحليل نشرته مجلة «Responsible Statecraft» أن نقطة الخلاف حول المضيق ولو ظاهريًا علي الأقل ، تدور حول الفقرة الخامسة من المذكرة وهي.. هل إيران مسؤولة عن ضمان المرور الآمن عبر المضيق طوال مدة الاتفاقية، أم فقط عن الممر الشمالي للمضيق؟

ممر ملاحي جنوبي عبر المياه العمانية

يقول بارسي، أن الخلاف الجوهري، كان قبل توقيع المذكرة، إذ شكت طهران أن يكون هدف واشنطن من فتح المضيق هو إنشاء ممر ملاحي جنوبي عبر المياه العمانية، الأمر الذي من شأنه أن يُضعف تدريجيًا سيطرة إيران على المضيق، خاصة وأنه كان هناك مقترحًا ان تكون إدارة المضيق بين طهران ومسقط، وهو ما قد يُفسر تهديد ترامب في وقت من الأوقات بقصف عُمان ما لم تتخلي عن اقتراحها بالإدارة المشتركة للمضيق، مع تحصيل رسوم إدارية من قِبل مسقط وطهران.

من وجهة نظر طهران، استخدمت واشنطن مذكرة التفاهم لتعزيز هذا المسار البديل، وشكلت مرافقة الجيش الأمريكي للسفن التجارية دون تنسيق مع إيران لتعزيز هذا الاتجاه، وفي حالة نجحت هذه الاستراتيجية، فإنها ستحرم إيران من أهم مصادر نفوذها، ما يعزز أهداف واشنطن.

 ولذلك السبب أصرت طهران على أن تنسق جميع السفن العابرة للمضيق - بغض النظر عن الممر الذي تسلكه - معها،  بما يتوافق مع تفسيرها للفقرة الخامسة من مذكرة التفاهم. 

لذلك تجادل واشنطن بأن إيران هي من نقصت بنود مذكرة التفاهم، وتحملها مسؤولية ضمان المرور الآمن للسفن التجارية فقط، دون منحها السيطرة التشغيلية على حركة الملاحة البحرية بأكملها.

ووسط تواتر الأحداث، يوضح بارسي في تحليله، أن قبيل جنازة المرشد الأعلى السابق آية الله خامنئي، بحث الجانبان حلاً وسطًا يقضي بتنسيق السفن لعبورها مع كل من إيران وسلطنة عمان، بموجبه  تُخطر السفن طهران وتُقدم تقاريرها أيضًا إلى سلطة بحرية تابعة لمجلس التعاون الخليجي، ما يوازن بين طلب إيران الإشراف ورغبة واشنطن في تجنب منح طهران سيطرة حصرية". لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق قبل تعليق الجهود الدبلوماسية طوال فترة الجنازة.

3 مقترحات على طاولة المفاوضات غير المباشرة 

ويقول الكاتب، أن خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، اختلفت الروايات حول ثلاث مقترحات كانت علي طاولة المفاوضات ، حيث قدمت إيران صيغة معدلة للتسوية السابقة، من خلال نظام إخطار مزدوج لجميع السفن العابرة للمضيق. واقترحت قطر ثلاثة ممرات: ممر إيراني في الشمال، وممر عُماني في الجنوب، وممر محايد في الوسط، حيث رفضت طهران هذا المقترح رفضًا قاطعًا، لأنه سيعيد المضيق فعليًا إلى وضعه قبل فبراير.

وتشير المجلة إلى أن الخلاف بين واشنطن وطهران تركز حول آلية إدارة الملاحة في مضيق هرمز حيث تتهمها طهران بتقليص نفوذها الاستراتيجي علي المضيق وإنشاء مسار بديل، فيما تنفي واشنطن الاتهام مؤكدة أن هدفها ضمان حرية الملاحة، وأن المفاوضات تعثرت بسبب اعتراض الحرس الثوري الإيراني، رغم التقدم الذي أحرزه وزير الخارجية عباس عراقجي.

ويرى الكاتب أن انعدام الثقة بين الطرفين تصاعد خلال الفترة الأخيرة، مع اقتناع طهران بأن إدارة ترامب تتجه نحو استئناف المواجهة العسكرية، مستندة إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية تتمثل في تصعيد ترامب لخطابه ضد إيران، وربط الاتفاق اللبناني الإسرائيلي بإضعاف حزب الله، بالإضافة إلى تسريب المطالب الأمريكية بشأن مضيق هرمز، والذي اعتبرته طهران محاولة لإفشال المفاوضات والتمهيد لتجدد الصراع.

 فقدان أوراق الضغط أم جولة جديدة من الحرب؟ 

 لذلك يرجح بارسي ، أن طهران أغلقت مضيق هرمز بدافع دفاعي، بعدما اقتنعت بأن الولايات المتحدة تستعد لجولة جديدة من الحرب، وأن الحفاظ على المضيق مفتوحًا قد يؤدي إلى فقدانها أهم أوراق الضغط الاستراتيجية قبل اندلاع أي مواجهة جديدة.

وفي المقابل، يعتقد أن استئناف الحرب لن يمنح واشنطن مكاسب حاسمة، لأن الظروف الحالية أصبحت أكثر صعوبة مقارنة بفبراير. 
فمن الناحية الاقتصادية، تراجعت مخزونات النفط العالمية والاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي، ما يقلل قدرتها على احتواء أي اضطراب جديد في أسواق الطاقة.

 كما أن انخفاض المخزونات التجارية والحكومية يجعل الاقتصاد الأمريكي أكثر حساسية لارتفاع أسعار النفط.

سياسيًا، يواجه ترامب ضغوطًا متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، إذ أن أي حرب جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود والتضخم وتكاليف المعيشة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على فرصه السياسية. 

ويستخلص الكاتب لما سبق، أن الولايات المتحدة لا تملك رفاهية الوقت لإضعاف إيران لاسيما مع التكاليف الباهظة التي ستتكبدها، خاصة وأن ترامب واجه نفس المعضلة الاستراتيجية قبل أشهر، ولكن لم تكن لديه الخبرة العملية، والتي لن تحدث فارقا بالوقت الحالي بتغيير الواقع لتحقيق أهدافه.