روسيا - أوكرانيا| محاولات أمريكية لتنشيط المسار الدبلوماسى

ضربات روسية تستهدف منشآت أوكرانية
ضربات روسية تستهدف منشآت أوكرانية


محمد الزهيرى

عادت الحرب الروسية الأوكرانية إلى دائرة الاهتمام الأمريكى حيث أجرى رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب الأسبوع الماضى اتصالين منفصلين مع الرئيسين الروسى فلاديمير بوتين والأوكرانى فولوديمير زيلينسكى فى محاولة لإحياء الجهود السياسية بهدف إنهاء الحرب التى اندلعت فى فبراير 2022 ودخلت عامها الخامس،

وذلك بعد فترة تراجعت خلالها الوساطة الأمريكية بسبب انشغال واشنطن بأزمات دولية أخرى على رأسها الحرب مع إيران لكن الاتصالين الأخيرين أعادا الحديث عن إمكانية إطلاق مسار تفاوضى جديد بين موسكو وكييف رغم استمرار القتال وتصاعد الضربات المتبادلة بين الطرفين.

ووفقا لمستشار الكرملين يورى أوشاكوف استمرت المكالمة بين ترامب وبوتين حوالى 90 دقيقة وعرض خلالها الرئيس الأمريكى المساعدة فى التوصل إلى حل للحرب، كما أكد أن المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيواصلان جهود الوساطة وأنهما مستعدان لزيارة موسكو مرة أخرى من أجل بحث فرص التوصل إلى تسوية.

وأكد أوشاكوف أن المباحثات الهاتفية كانت عملية وبناءة للغاية وقال إن ترامب جدد استعداده للعمل من أجل إنهاء القتال بسرعة والبحث عن حلول تساعد على تجاوز الأزمة، كما أكد الكرملين أن موسكو لا تزال تفضل الحل السياسى والدبلوماسى ولكن مع مراعاة «مصالحها الأساسية ورؤيتها لأسباب الصراع».

وخلال الاتصال أيضا قدم بوتين لترامب تقييمه للوضع على أرض الواقع وقال إن القوات الروسية تواصل التقدم فى عدد من المناطق كما تحدث عن السيطرة على مدينة كوستيانتينيفكا الاستراتيجية فى منطقة دونيتسك، وهو ما نفته أوكرانيا حيث أكد زيلينسكى وهيئة الأركان الأوكرانية أن المدينة لا تزال تحت سيطرة القوات الأوكرانية مع الاعتراف بأن الوضع هناك صعب، فيما يفسره المراقبون بأنه محاولة من كل طرف لتقديم صورة ميدانية تعزز موقفه قبل أى مفاوضات محتملة، فروسيا تريد أن تبدأ أى مفاوضات من موقع عسكرى قوى بينما تحاول أوكرانيا إثبات قدرتها على الصمود ومنع موسكو من تحقيق انتصار واضح على الأرض.

فى الوقت نفسه تحدث زيلينسكى مع ترامب فى اتصال منفصل وصفه بأنه «جيد للغاية»، وقال إنهما ناقشا الوضع على خط الجبهة الذى يمتد لنحو 1200 كيلومتر إلى جانب فرص إنهاء الحرب والدور الذى يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة فى ذلك، كما أكد زيلينسكى أن هناك فرصة حقيقية لإنهاء الحرب لكنه شدد على أن الوساطة الأمريكية سيكون لها دور حاسم كما اتفق مع ترامب على استكمال المناقشات خلال قمة حلف شمال الأطلنطى التى عقدت فى أنقرة.

وخلال القمة التقى ترامب وزيلينسكى واستمرت المباحثات بين الجانبين حول الدعم العسكرى والسياسي، وأعلن الرئيس الأوكرانى أن واشنطن وكييف توصلتا إلى اتفاق سياسى يسمح لأوكرانيا بالحصول على تراخيص لإنتاج صواريخ «باتريوت» الاعتراضية على أن تبدأ الجهات المختصة فى البلدين استكمال الإجراءات الفنية اللازمة لتنفيذ الاتفاق، كما أشار زيلينسكى إلى استمرار المباحثات مع واشنطن بشأن التعاون فى مجال الطائرات المسيّرة، سواء من خلال الإنتاج المشترك أو من خلال اختبار أنواع من المسيّرات الأوكرانية.

ويرى المحللون أن هذه التطورات قد تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تحاول الجمع بين مسارين فى وقت واحد، الأول هو دعم أوكرانيا عسكريًا والثانى هو إبقاء باب التفاوض مفتوحًا مع روسيا، حيث ترى واشنطن أن زيادة الضغط العسكرى على موسكو قد يدفعها إلى قبول التفاوض بينما ترى روسيا أن استمرار تسليح أوكرانيا يعرقل الوصول إلى السلام، وهو ما عبر عنه المتحدث باسم الكرملين دميترى بيسكوف بوضوح عندما قال إن موسكو ترى نوعًا من الازدواجية فى السياسة الأمريكية حيث تريد من ناحية مواصلة تزويد كييف بالأسلحة، ومن ناحية أخرى تقول إنها تريد المساعدة فى إنهاء الحرب.

ورغم ذلك، أكد بيسكوف أن روسيا لا ترفض الوساطة الأمريكية وأنها ترحب برغبة واشنطن فى تسهيل عملية السلام، لكنه أكد أن الاعتقاد بأن زيادة التصعيد والضغط العسكرى يمكن أن يسرعا الوصول إلى اتفاق هو اعتقاد خاطئ، وحذر من أن استمرار الضربات الأوكرانية داخل الأراضى الروسية قد يدفع موسكو إلى توسيع المنطقة العازلة على الحدود مع أوكرانيا.

وتزامنت هذه التطورات السياسية مع تصعيد عسكرى كبير حيث أعلنت روسيا منذ أيام أنها تعرضت لواحدة من أوسع موجات الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة منذ بداية الحرب، وقالت وزارة الدفاع الروسية إنها اعترضت ودمرت مئات المسيّرات التى استهدفت عدة مناطق من بينها موسكو وبيلجورود وروستوف وكراسنودار وشبه جزيرة القرم، كما تحدثت السلطات الروسية عن سقوط قتلى وجرحى واندلاع حرائق فى مستودعات وقود ومصفاة نفط ومنشآت أخرى،

كما أعلن جهاز الأمن الفيدرالى الروسى إحباط هجوم بطائرات مسيّرة كان يستهدف مطارًا عسكريًا فى روستوف.
وواصلت أوكرانيا استهداف منشآت الطاقة والنفط داخل روسيا وأعلنت أنها هاجمت ناقلات وسفنًا تستخدم فى نقل الوقود والنفط،

كما قالت إنها استهدفت مواقع بعيدة عن خط الجبهة من بينها محطات ومنشآت نفطية فى مناطق روسية مختلفة، فيما وصفه زيلينسكى بأنه «عقوبات بعيدة المدى» تهدف لجعل روسيا تشعر بتكلفة الحرب داخل أراضيها والضغط عليها من أجل وقف القتال.

فى المقابل، واصلت روسيا شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مناطق أوكرانية وأعلن سلاح الجو الأوكرانى إسقاط عشرات المسيّرات الروسية بينما دوت صفارات الإنذار فى عدة مدن ومناطق، وذلك بالتزامن مع استمرار الدعم الغربى لكييف وهو ما أكده حلف شمال الأطلنطى بأن روسيا تمثل تهديدًا طويل الأمد لأراضيه، وجدد التزامه بالدفاع عن الدول الأعضاء ومواصلة دعم أوكرانيا، كما أعلنت دول أوروبية تقديم مساهمات مالية وعسكرية إضافية.

وعلى الجانب السياسي، أكدت الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن أنها لا تزال ملتزمة بوقف فورى لإطلاق النار والتوصل إلى تسوية تفاوضية، بينما دعت الصين إلى ضبط النفس واستئناف الحوار ومعالجة المخاوف الأمنية لجميع الأطراف.

وتمثل دعوة ترامب خطوة مهمة فى طريق فتح قنوات التواصل السياسى والتفاوض بين روسيا وأوكرانيا لكنها لا تعنى أن نهاية الحرب اقتربت حيث سيتوقف ذلك على قدرة واشنطن على تحويل هذه الدعوة إلى مفاوضات حقيقية تبدأ بخفض التصعيد أو وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات.