أمريكا - إيران| مفاوضات تحت النار.. وثلاثة سيناريوهات للمستقبل

الهجوم الأمريكى على أحد القطع البحرية الإيرانية
الهجوم الأمريكى على أحد القطع البحرية الإيرانية


أطاح التصعيد العسكرى المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران بما تبقى من تفاهمات وقف إطلاق النار، ودخلت المواجهة بين الطرفين مرحلة جديدة، بعد انهيار التفاهمات التى أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار، فى ظل تجدد الضربات العسكرية الأمريكية على أهداف داخل إيران، وردود إيرانية حملت رسائل واضحة بأن طهران لن تقف مكتوفة الأيدى أمام أى استهداف جديد.

ويأتى هذا التطور فى وقت لا تزال فيه قنوات التفاوض قائمة شكليًا، لكنها تتحرك تحت وطأة العمليات العسكرية، بما يعيد الأزمة إلى مربع المواجهة المفتوحة، بعد أسابيع من مفاوضات غير مباشرة كانت تهدف إلى احتواء التوتر وفتح نافذة جديدة للحوار بين واشنطن وطهران بما يثير تساؤلات حول مستقبل الأزمة واحتمالات تحولها إلى مواجهة أوسع فى المنطقة..

وجاءت الضربات الأمريكية الأخيرة التى استهدفت مواقع فى جنوب إيران لتنسف عمليًا الهدنة الهشة، فى وقت تشير فيه التقديرات إلى أن المنطقة قد تكون مقبلة على جولة جديدة من التصعيد قد تمتد لأسابيع، وربما لأشهر، فى ظل تمسك كل طرف بمواقفه وغياب أى مؤشرات على انفراجة سياسية قريبة.

ومن جانبه أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترمب موافقته على استمرار المحادثات مع إيران، لكنه أكد فى الوقت نفسه أن وقف إطلاق النار «انتهى»، قائلاً عبر منصته «تروث سوشال» إن إيران طلبت استئناف المفاوضات، وإن واشنطن وافقت على ذلك، لكنها أبلغت طهران «بعبارات لا لبس فيها» أن الهدنة لم تعد قائمة.

ويعكس هذا الموقف ازدواجية السياسة الأمريكية، التى تحاول الإبقاء على قنوات الاتصال الدبلوماسية مفتوحة، بالتوازى مع استمرار الضغوط العسكرية، فى محاولة لفرض شروط تفاوضية أكثر صرامة على طهران.

وفى المقابل، توعدت إيران برد حاسم على أى هجمات تستهدف بنيتها التحتية، إذ أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى محمد باقر ذو القدر أن أى اعتداء جديد سيقابل برد مباشر، محذرًا من أن إسرائيل «لن تكون بمنأى عن رد المقاتلين الإيرانيين».

وفى الوقت نفسه، كشفت تقارير إعلامية عن وجود تباين فى المواقف داخل المعسكر الأمريكى الإسرائيلى بشأن طبيعة المرحلة المقبلة. وقالت شبكة «سى إن إن» نقلا عن مصدرين إسرائيليين أن إدارة الرئيس ترامب لا ترغب فى انخراط إسرائيل فى المواجهة الحالية، خشية اتساع رقعة الحرب وخروجها عن السيطرة.

وبحسب الشبكة فإن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو يدفع باتجاه مشاركة إسرائيل فى أى عمليات عسكرية جديدة، إلا أن واشنطن تفضل حصر المواجهة بينها وبين إيران، لتجنب تحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة.

ورغم ذلك أعلن وزير الدفاع الإسرائيلى يسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلى فى أعلى درجات الجاهزية، ومستعد لاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران إذا اقتضت الضرورة، مؤكدًا أن تل أبيب ستتحرك «بقوة أكبر» إذا فرضت عليها المواجهة..

ويرى مراقبون أن انهيار الهدنة يعكس حجم التعقيدات التى تحيط بالمفاوضات الخاصة بالملف النووى الإيراني، حيث لا تزال الخلافات قائمة حول العقوبات الأمريكية، ومستقبل البرنامج النووي، والدور الإقليمى لطهران، وهى ملفات حالت دون التوصل إلى اتفاق نهائى رغم جولات التفاوض التى استمرت لأسابيع.

كما أن تبادل الضربات العسكرية، واستمرار الحشود ورفع الاستعدادات العسكرية لدى الطرفين، تقلص فرص العودة السريعة إلى طاولة المفاوضات، وتزيد من احتمالات اندلاع مواجهات جديدة، حتى وإن بقيت ضمن نطاق العمليات المحدودة.. ويرى بعض المحللين أن واشنطن وطهران تحاولان إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض معادلة ردع جديدة، دون الوصول إلى حرب شاملة قد تكون تكلفتها السياسية والاقتصادية باهظة على الجانبين.

وفى الداخل الأمريكي، يفرض التصعيد تحديات سياسية متزايدة على إدارة ترمب، خاصة مع تنامى المخاوف داخل الحزب الجمهورى من الانزلاق إلى حرب طويلة لم تكن ضمن الوعود الانتخابية للرئيس، فى وقت يركز فيه الناخب الأمريكى بصورة أكبر على التضخم وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة.. ولا يتركز النقاش داخل الحزب الجمهورى على نجاح الضربات العسكرية بقدر ما يتركز على تكلفتها السياسية.

فمع تجدد المواجهة، ازدادت المخاوف من تحولها إلى حرب استنزاف تتسبّب فى تراجع شعبية الرئيس ترامب لدى قاعدته الانتخابية، وتضع مرشحى الحزب الجمهورى فى موقف دفاعى خلال الحملات الانتخابية، وتمنح الديمقراطيين سلاحاً يشهرونه لتحميل ترامب والجمهوريين المسئولية عن تراجع الأوضاع الاقتصادية وزيادة الأعباء على الأسر الأمريكية.

وزادت تصريحات ترامب المتباينة من حالة الغموض، إذ قال إنه لا يعرف ما إذا كانت إيران جادة فى التوصل إلى اتفاق أو ستلتزم بأى تفاهمات مستقبلية، مؤكدًا فى الوقت نفسه أن الولايات المتحدة تمتلك «طرقًا عديدة لتحقيق النصر»، وأن أى هجوم إيرانى سيقابل برد أمريكى «أقوى بعشرين مرة».

كما لوَّح الرئيس الأمريكى بإمكانية استهداف منشآت حيوية داخل إيران، بما فيها الجسور ومحطات تحلية المياه، إذا استدعت التطورات ذلك، فى رسالة تعكس استعداد واشنطن لتوسيع نطاق الضغط العسكرى إذا فشلت الجهود السياسية.

وفى المقابل، تشير تقارير أمريكية إلى أن الإدارة تتوقع استمرار العمليات العسكرية لعدة أيام وربما أسابيع، بالتزامن مع اضطراب حركة الملاحة فى الخليج، وارتفاع أسعار الطاقة، الأمر الذى قد ينعكس على الاقتصاد الأمريكى ويزيد الضغوط السياسية على البيت الأبيض.

ووفق التطورات الأخيرة يرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستتجه نحو أحد ثلاثة سيناريوهات رئيسية.

السيناريو الأول فى استمرار التصعيد المحدود، عبر تبادل الضربات العسكرية دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، مع الإبقاء على قنوات الاتصال غير المباشر مفتوحة.

أما السيناريو الثانى فيقوم على نجاح الوساطات الدولية والإقليمية فى إعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض، وهو احتمال يظل قائمًا رغم تراجع فرصه فى ظل التصعيد الحالي.

أما السيناريو الأكثر خطورة فهو السيناريو الثالث الذى يتوقع توسع المواجهة لتشمل أطرافًا إقليمية أخرى، بما يهدد أمن الملاحة فى الخليج، ويؤثر على أسواق الطاقة العالمية، ويفرض تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة على المنطقة والعالم.. وتبدو الأزمة الأمريكية الإيرانية أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية، بينما يترقب المجتمع الدولى ما إذا كانت المفاوضات ستنجح فى احتواء التصعيد، أم أن المنطقة تتجه إلى دورة جديدة من الصراع المفتوح قد تعيد رسم موازين القوى فى الشرق الأوسط لسنوات قادمة.