لم يكن افتتاح الرئيس عبدالفتاح السيسى، رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، لمقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية بالعاصمة الإدارية الجديدة، مجرد تدشين لمنشأة سيادية حديثة أو إضافة عمرانية إلى مشروعات الجمهورية الجديدة، لكنه بمثابة إعلان عن دخول الدولة المصرية مرحلة أكثر تطورًا فى إدارة الأمن القومى،
تقوم على التكامل بين التكنولوجيا المتقدمة، ومنظومات القيادة والسيطرة، وسرعة تداول المعلومات، ودعم متخذ القرار، بما يتواكب مع طبيعة التهديدات المعاصرة التى لم تعد تقتصر على الحروب التقليدية، وإنما امتدت إلى الفضاء الإلكترونى،
وحروب المعلومات، والأزمات العابرة للحدود، واستهداف البنية التحتية والاقتصاد وسلاسل الإمداد. فالقرن الحادى والعشرون غيّر بصورة جذرية مفهوم القوة الشاملة للدول؛ إذ لم يعد امتلاك الجيوش والأسلحة المتطورة وحده كافيًا لحماية الأمن القومى،
وإنما أصبحت القدرة على إدارة المعلومات، وتحليلها، واتخاذ القرار فى التوقيت المناسب، أحد أهم عناصر الردع والحفاظ على استقرار الدولة. ومن هنا، جاء إنشاء القيادة الاستراتيجية ليجسد رؤية مصر فى الانتقال من مفهوم إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى مفهوم الاستعداد الاستباقى،
عبر منظومة متكاملة للقيادة والسيطرة وإدارة العمليات، تعتمد على أحدث نظم الاتصالات المؤمنة، والتكامل بين مؤسسات الدولة، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع كفاءة التنسيق فى مختلف الظروف.
يمثل اختيار العاصمة الإدارية الجديدة مقرًا لهذا الصرح السيادى رسالة استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الجغرافية؛ فهو يعكس فلسفة الدولة فى بناء مؤسسات حديثة ترتكز على بنية تحتية ذكية، وتتمتع بأعلى مستويات التأمين والاستدامة، بما يضمن استمرارية عمل مؤسسات الدولة السيادية مهما بلغت التحديات، فى إطار مشروع الجمهورية الجديدة الذى يربط بين التنمية الشاملة وتعزيز عناصر القوة الوطنية.
رسائل هامة
جاءت مراسم افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية فى مشهد جسد الانضباط والاحترافية، اللذين تتميز بهما القوات المسلحة المصرية، حيث كان فى استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسى لدى وصوله إلى مقر القيادة الاستراتيجية الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى، والفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، إلى جانب قادة الأفرع الرئيسية.
وتقدمت مواكب الدراجات البخارية والخيالة الموكب الرئاسى، بينما اصطف رجال القوات المسلحة فى تشكيلات عسكرية عكست أعلى درجات الجاهزية والانضباط، بالتزامن مع إطلاق إحدى وعشرين طلقة تحية، ومرافقة جوية لطائرات الأباتشى، فى رسالة تعكس ما وصلت إليه القوات المسلحة من جاهزية قتالية وقدرة على تنفيذ المهام فى مختلف الاتجاهات الاستراتيجية.
وفور وصول الرئيس إلى المنصة الرئيسية، أدى حرس الشرف التحية العسكرية، وعُزف السلام الوطنى لجمهورية مصر العربية، قبل أن تبدأ مراسم الاحتفال بتلاوة آيات من القرآن الكريم، أعقبها عرض موسيقى قدمته الأوركسترا والكورال والموسيقى العسكرية، ثم عرض فيلم تسجيلى تناول مراحل إنشاء القيادة الاستراتيجية وفلسفة تأسيسها ودورها فى دعم منظومة القيادة والسيطرة للدولة.
وشهدت الاحتفالية واحدة من أبرز لحظاتها الرمزية، عندما سلّم الرئيس علم القوات المسلحة، يعلوه المصحف الشريف، إلى قائد حرس الشرف، إيذانًا برفعه فوق مقر القيادة الاستراتيجية للدولة، فى مشهد جسّد قدسية الرسالة، التى تضطلع بها القوات المسلحة فى حماية الوطن وصون مقدراته.
وعقب ذلك، توجه الرئيس إلى منصة توقيع وثيقة افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة، يرافقه القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسية، حيث تفضل سيادته بالتوقيع على الوثيقة إيذانًا ببدء مرحلة جديدة فى منظومة القيادة والسيطرة للدولة، قبل أن يضغط زر رفع العلم المصرى، بالتزامن مع عزف سلام العلم، ورفع الأعلام على المثمنات، وإطلاق إحدى عشرة طلقة مدفعية، فيما حلّق فريق الألعاب الجوية فى سماء الاحتفال، فى مشهد جسّد ما بلغته القوات المسلحة المصرية من جاهزية وقدرة وكفاءة.
ثم عاد الرئيس إلى المنصة الرئيسية، حيث شهد مرور حافلة مكشوفة تقل مجموعة من أطفال مصر، رافعين الأعلام المصرية، فى رسالة إنسانية ووطنية أكدت أن ما تبنيه الدولة من قدرات ومؤسسات، وفى مقدمتها منظومة الدفاع، يستهدف بالأساس حماية الإنسان المصرى، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة، وترسيخ دعائم الدولة القادرة على مواجهة مختلف التحديات.
وألقى الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربى، كلمة بهذه المناسبة، أكد خلالها أهمية القيادة الاستراتيجية للدولة باعتبارها إضافة نوعية لمنظومة القيادة والسيطرة وإدارة الأزمات، قبل أن يقدم إلى رئيس الجمهورية هدية تذكارية عبارة عن مجسم للقيادة الاستراتيجية للدولة.
وتواصلت فعاليات الاحتفال بعرضين عسكريين نفذتهما قوات المظلات والقوات الجوية، أعقبهما عرض الفيلم التسجيلى «قادة عظام»، الذى استعرض محطات مضيئة من تاريخ القيادة العسكرية المصرية ورموزها.
واختُتمت الاحتفالية بعرض للطائرات المسيّرة رسم فى سماء العاصمة الإدارية الجديدة عبارة «تحيا شعوب العالم المحبة للسلام»، فى رسالة جسدت العقيدة الراسخة للدولة المصرية بأن امتلاك القوة هو الضمان الحقيقى لحماية السلام وصونه، وأن القوات المسلحة تبقى درع الوطن وسيفه، حاميةً للأمن والاستقرار، وداعمةً لجهود التنمية والبناء.
مركز متطور
لم يأت إنشاء القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية بمعزل عن المتغيرات الإقليمية والدولية، لكن جاء استجابة مباشرة لتحولات عميقة فى طبيعة التهديدات، التى تواجه الدول الحديثة.
فلم تعد الحروب تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى أو تحريك الجيوش عبر الحدود، وإنما قد تنطلق من شاشة حاسب آلى، أو عبر هجوم سيبرانى يستهدف شبكات الكهرباء والاتصالات، أو حملة تضليل إعلامى واسعة، أو هجمات تستهدف البنية التحتية وسلاسل الإمداد والأسواق المالية، وهو ما فرض على الدول تطوير أدواتها وآلياتها فى إدارة الأزمات، والانتقال إلى مفهوم الأمن القومى الشامل، الذى يجمع بين الأمن العسكرى والاقتصادى والغذائى والمائى والسيبرانى والإعلامى.
ومن هذا المنطلق، تمثل القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية نقلة نوعية فى فلسفة إدارة الدولة، باعتبارها مركزًا متطورًا يربط بين المعلومات والاتصالات والجهات المعنية، ويوفر بيئة مؤمنة لدعم عملية صنع القرار.رسائل الرئيس
جاءت كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة، مقدمة رؤية شاملة لمفهوم الأمن القومى المصرى، ولطبيعة المرحلة التى تمر بها الدولة فى ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
وأكد الرئيس أن القيادة الاستراتيجية ليست مجرد مبنى حديث أو مقر إدارى متطور، وإنما تمثل منظومة متكاملة للقيادة والسيطرة وإدارة العمليات، تعتمد على بنية تكنولوجية متقدمة، وأنظمة اتصالات مؤمنة، وقدرات متطورة على جمع المعلومات وتحليلها، وربط المستويات القيادية والتنفيذية داخل إطار واحد يحقق أعلى درجات التكامل وسرعة الاستجابة ودقة اتخاذ القرار.
وأوضح الرئيس أن هذا الصرح لا يقتصر دوره على إدارة المواقف العسكرية، بل يمثل ركيزة رئيسية فى قدرة الدولة على التعامل مع مختلف التحديات والظروف الاستثنائية، وفق رؤية متكاملة تضع أمن الوطن واستقراره فوق كل اعتبار، وتواكب عالمًا تتسارع فيه المتغيرات بصورة غير مسبوقة.
وجدد الرئيس التأكيد على ثوابت العقيدة المصرية، التى تقوم على امتلاك أسباب القوة لحماية السلام، مشددًا على أن الدولة المصرية متمسكة بخيار السلام باعتباره نهجًا استراتيجيًا، لكنها فى الوقت نفسه تمتلك من عناصر الردع ما يحفظ سيادتها ويصون مقدراتها، مؤكدًا أن حدود مصر خط أحمر، وأن القوات المسلحة ستظل الدرع الحامية للوطن والقادرة على حماية أمنه القومى فى مختلف الاتجاهات الاستراتيجية.
ذكرى استعادة الدولة
اكتسب افتتاح القيادة الاستراتيجية دلالة إضافية لتزامنه مع الذكرى الثالثة عشرة لثورة الثلاثين من يونيو، وهو ما أضفى على الحدث بعدًا سياسيًا وتاريخيًا واضحًا.
فقد استحضر الرئيس فى كلمته الظروف، التى مرت بها الدولة المصرية خلال الفترة من عام 2011 وحتى عام 2014، وما شهدته من محاولات لاستهداف مؤسسات الدولة وإضعافها، مؤكدًا أن الشعب المصرى استطاع بإرادته الوطنية استعادة دولته والحفاظ على هويتها، وأن الجمهورية الجديدة جاءت امتدادًا لهذه الإرادة الشعبية، من خلال بناء مؤسسات حديثة قادرة على حماية الدولة وضمان استمرار عملها مهما كانت التحديات.
ولم يكن حديث الرئيس عن تلك المرحلة استدعاءً للماضى بقدر ما كان تأكيدًا على أهمية استخلاص الدروس، وترسيخ مفهوم الدولة القادرة على حماية مؤسساتها ومنع تكرار أى ظروف قد تهدد استقرارها أو تعطل أداءها، وهو ما يفسر اختيار العاصمة الإدارية الجديدة لتكون مقرًا لمؤسسات الدولة السيادية، وفى مقدمتها القيادة الاستراتيجية.
العاصمة الإدارية
يحمل اختيار العاصمة الإدارية الجديدة مقرًا للقيادة الاستراتيجية دلالة تتجاوز الاعتبارات العمرانية، إذ يعكس رؤية الدولة فى إنشاء بيئة مؤسسية حديثة، تضمن استمرارية عمل مؤسساتها السيادية فى مختلف الظروف، وتوفر بنية تحتية متطورة قادرة على استيعاب متطلبات الدولة الحديثة.
وأشار الرئيس إلى أن ما شهدته مصر خلال أحداث عام 2011 كشف أهمية وجود مقرات سيادية مؤمنة تستطيع مواصلة أداء مهامها بكفاءة مهما كانت طبيعة التحديات، وهو ما أخذته الدولة فى الاعتبار عند التخطيط للعاصمة الإدارية، التى أصبحت تضم مؤسسات الدولة والإدارة إلى جانب هذا الصرح الاستراتيجى، فى إطار رؤية متكاملة لبناء الجمهورية الجديدة.
وتعكس هذه الفلسفة تحولًا فى مفهوم التخطيط للدولة؛ فلم تعد العاصمة مجرد مركز للإدارة، بل أصبحت عنصرًا من عناصر الأمن القومى، بما تضمه من بنية تحتية ذكية، وشبكات اتصالات متطورة، ومنظومات تأمين حديثة، تسمح باستمرار عمل المؤسسات الحيوية بكفاءة واستقرار.
فلسفة الدولة
لا يمثل اسم «الأوكتاجون» مجرد توصيف معمارى لمجمع القيادة الاستراتيجية، وإنما يعكس فلسفة متكاملة فى تصميم منشأة أُنشئت لتكون مركزًا لإدارة الدولة فى مختلف الظروف.
ويستند التصميم إلى الشكل المثمن، الذى يتيح أعلى درجات الترابط والانسيابية بين المكونات المختلفة للمجمع، بما يسهل انتقال المعلومات وسرعة الاتصال والتنسيق بين الجهات المعنية، وهو ما يتوافق مع أحدث المفاهيم العالمية فى تصميم مراكز القيادة والسيطرة.
العرض العسكرى
لم يكن العرض العسكرى الذى صاحب افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة استعراضًا للقوة بمفهومها التقليدى، وإنما جاء تجسيدًا عمليًا لفلسفة القوات المسلحة المصرية القائمة على الجاهزية الدائمة، والاحترافية، والتكامل بين الأفرع الرئيسية، بما يعكس ما شهدته المؤسسة العسكرية من عملية تطوير شاملة خلال السنوات الأخيرة. وشاركت فى العرض تشكيلات متنوعة من الطائرات والمروحيات متعددة المهام، من بينها: مروحيات الأباتشى، والشينوك، إلى جانب طائرات الإنذار المبكر، ورافال، وميج-29، وإف-16، وميراج، وطائرات النقل الاستراتيجى،
طائرات التدريب كى-8، فى مشهد عكس حجم التنوع الذى تتمتع به القوات الجوية المصرية، وقدرتها على تنفيذ مختلف المهام القتالية والتعبوية واللوجيستية.
رسالة سلام
وفى المرحلة الثانية من برنامج الاحتفالية، تفقد الرئيس مركز عمليات القوات المسلحة، حيث استمع إلى شرح قدمه رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة حول آليات عمل المركز، ودوره فى إدارة منظومة القيادة والسيطرة، والتنسيق بين الأفرع الرئيسية والتشكيلات التعبوية، كما اطلع على جاهزية العناصر المناوبة ومستوى الاستعداد القتالى، بما يعكس التطور الذى شهدته منظومة إدارة العمليات بالقوات المسلحة.
كما التُقطت بهذه المناسبة التاريخية ثلاث صور تذكارية رسمية؛ الأولى جمعت الرئيس والسيدة انتصار السيسى قرينته بكبار رجال الدولة وقادة القوات المسلحة، والثانية مع ممثلين عن مختلف فئات الشعب المصرى، والثالثة مع قادة القوات المسلحة، فى مشاهد جسدت وحدة الدولة وتلاحم مؤسساتها مع الشعب.
وتواصلت الفعاليات بعرض موسيقى قدمته الأوركسترا والكورال بالتزامن مع إضاءة المثمنات، أعقبه عرض فنى للفنانة أنغام قبل أن يُختتم الاحتفال بعرض مهيب للطائرات المسيّرة، رسم فى سماء العاصمة الجديدة عبارة «تحيا شعوب العالم المحبة للسلام»، فى رسالة حملت دلالاتٍ سياسية واستراتيجية عميقة.
لأول مرة تدشين جامعة «كيان» بالقوات المسلحة بالصفة المدنية
الحلم يتحقق .. قدرات الدولة فى خدمة إدارة الأزمات والكوارث
«الضبعة النووية».. مصر تكتب فصلًا جديدًا فى تاريخ الطاقة






