هذا كتاب ألفه المثقف والناقد المعروف يسرى حسّان، وقبل أن أبدأ فى قراءته بعد أن نشرته الثقافة الجماهيرية، سألت نفسى: أين هو المسرح حتى يكتُب عن يسرى حسان ما كتبه؟ ربما كان يحلُم بعودته واستعادته، ويرى أن مصر تستحق أن يكون فيها نهضة مسرحية وسينمائية تليق باسمها وتاريخها الفنى.
يكتُب المؤلف فى تقديمه لكتابه أنه كان يتمنى لو كان عنوانه: دراسات أكاديمية رصينة فى المسرح، ويؤكد أن هذا سيعطى للكتاب ثِقَلاً أكثر، ويجعله مقصدًا لمفكرى المسرح فى مصر والدول العربية والأجنبية، ثم يتساءل: ومن قال لحضرتك «مخاطبًا القارئ الذى يكتب له» بأننى أتوجه للمفكرين وأنا لا أحبهم أساسًا ولا أحب تجمُّعَهُم ونظاراتهم السميكة وتَحَفُّظَهُم فى الكلام، وكذلك كرافتاتهم التى تخنق بلدًا بحاله.
هو كلام فعلاً فى المسرح، لا يدعى أكثر من هذا، يمكنك أن تعتبره نقدًا للعروض المسرحية، تم توجيهه للقارئ العام لعل وعسى يهتم، وكذلك لصُناع العروض المكتوب عنها، لعل وعسى يعملوا لك لايك أو شير، وتصبح من مشاهير الفيس بوك.
مع أن بعضهم لا يعمل لايك ولا شير، وربما أمر أتباعه بقتلك عندما يشاهدونك فى المعركة. فأنت مهما اجتهدت فى تحليلك فى العرض، ثم أبديت ولو ملاحظة طفيفة على أى عنصر من عناصره، اعتبرك صُناع العمل طابورًا خامسًا، أو عميلًا أمريكانيًا يسعى إلى تشويه تجاربهم الفارقة، فكيف تُبدى ملاحظة وكل نقاد الفيس بوك وصفوا العرض على أنه رائع ومذهل وعظيم وفخيم وغير مسبوق أو ملحوق.
لقد قرأتُ هذا الكتاب ومع كل صفحة أسأل نفسى: أين هو المسرح الآن؟ لأن كل العروض التى كتب عنها الكاتب بإخلاصٍ وجِدية تمت فى ماضى الزمان وسالف العصر والأوان. فإن كان لدينا بعض العروض المسرحية هنا وهناك تُقدَّم على مسارح الثقافة الجماهيرية، ولابد أن نعتبر أن هذا جميل تقدمه لنا الثقافة الجماهيرية كل صباحٍ ومساء. فإن السينما لا وجود لها على الإطلاق.
وعمومًا فإن يسرى حسان لم يكتُب عن السينما، وأعتقد أننى مُطالب بالكتابة عن السينما فى قادم الأيام. أما المسرح فهذا الكتاب يُعلى من قيمته ويقدم عروضه فى كل أنحاء بر مصر، ففى مقال جميل عنوانه: مسخ كافكا يستيقظ على سرير فى أسيوط، وهذا معناه أن الكاتب إن لم يكن معنيًا بالبلد الذى ينتمى إليه، وأنه يكتُب عن المسرح فى بر مصر. وهذا شىء يُذكر لهذا الكتاب الجميل الذى يقع فى 344 صفحة من القطع المتوسط ويُباع بأربعة وخمسين جنيهًا.
فشكرًا للثقافة الجماهيرية التى خدمت المسرح المصرى، والمثقف المصرى، بهذا الكتاب الذى أتمنى أن يصل إلى القُراء فى كل مكانٍ من بر مصر.
ولا أريد أن أُثقل على الثقافة الجماهيرية، ولكنى أحلُم بيوم توزع مطبوعاتها على الأقل فى وطننا العربى وعالمنا الثالث، فهذا حقهم علينا جميعًا.
والكتاب كله يتحدث عن عروض مسرحية قُدِّمت فى أماكن كثيرة من ريف بر مصر، وهذه مسألة شديدة الأهمية أن يصل المسرح إلى كل مكانٍ فى هذا الوطن الجميل، فسكان الأقاليم لم يرتكبوا جريمة لمجرد أنهم اختاروا السُكنى فى الأقاليم، ويجب أن تصل إليهم العروض حيثما كانوا.
أيضًا أعجبنى فى هذا الكتاب أن الكاتب فى آخر كل مقال يكتُب المكان الذى نُشِر فيه، والتاريخ الذى نُشِر به، وهى كلها تواريخ معاصرة وقريبة من أيامنا هذه. فسكان الأقاليم من حقهم أن يشاهدوا المسرح وأن يذهب إليهم المسرحيون ويقدموا عروضهم بين أيديهم ويستمعوا إلى ملاحظاتهم المهمة والتى لابد من الاستماع إليها.

توطين الصناعة ودعم صادراتها
مونديال الظلم
الثانوية بين ماضٍ وحاضر






