منذ سنوات طويلة وأنا أقيم في القاهرة وأصبحت زياراتي إلى قريتي متباعدة وفي كل مرة أعود أكتشف أن القرية تتغير أسرع مما أتصور، لكن الزيارة الأخيرة كانت مختلفة تماما فقد اكتشفت أنني لم أعد أعرف شيئا عن بروتوكولات الخطوبة في الريف.
استمعت إلى أحاديث الشباب فإذا بأحدهم يقول أن خطيبته طلبت "كريب" وآخر يتحدث عن "بوكس
شوكولاتة"، وثالث يراجع فاتورة دليفري ورابع يسأل عن أفضل تطبيق توصيل .
في البداية ظننت أنهم يتحدثون عن مشروع جديد أو مطعم افتتح في القرية لكنني فوجئت بأن كل هذه الطلبات تذهب إلى الخطيبات وهن ما زلن في بيوت آبائهن.
ضحكت بشكل هستيري بعد أن شاهدت الخاطب يقضي نصف يومه يبحث عن كوبونات خصم، ويتابع إشعار يقول تم استلام الطلب حتى يطمئن أن فترة الخطوبة تمر بسلام.
وبعض الشباب يظن أن رفض طلب واحد قد يهدم العلاقة فيدفع وهو صامت ويبتسم وهو يتألم ويقنع نفسه بأن هذه مرحلة وهتعدي ثم يكتشف بعد الزواج أن المرحلة لم تكن استثناء.
وقلت لنفسي يبدو أنني كنت غائبا عن الريف سنوات طويلة لدرجة أن الخطوبة لم تعد وعدا بالزواج بل تحولت عند البعض إلى اشتراك مفتوح في خدمة الدليفري وإذا تأخر الطلب عشر دقائق أصبح مستقبل العلاقة في خطر.
بالطبع هناك من يرى أن ذلك تصرفا لطيفا يقوي العلاقة ويشعر الخطيبة بالاهتمام وهناك من يعتقد أن كثرة الطلبات والهدايا قبل الزواج قد تخلق توقعات مرتفعة أو تحمل الخاطب أعباء مادية غير ضرورية.
بالطبع لا يوجد عرف واحد يحكم الجميع المهم أن يكون ما يحدث برضا الطرفين وفي حدود إمكانيات الخاطب ومن دون أن يتحول إلى التزام أو معيار للحب أو الرجولة. العلاقة الصحية تقوم على التفاهم والاعتدال أكثر من كثرة الهدايا أو طلبات الدليفري.
في الماضي القريب كان الخاطب يحمل علبة حلوى أو هدية بسيطة عندما يزور خطيبته يوم الجمعة من كل أسبوع أما اليوم فهو يحمل هاتفا وشاحنا ورصيدا في تطبيقات التوصيل تحسبا لأي حالة طوارئ عاطفية
اخيرا ليست القضية في ثمن وجبة أو علبة شوكولاتة وإنما في الظاهرة نفسها حين يصبح الحب مرهونا بسرعة وصول الطلب ويصبح تقييم الخاطب بعدد الأوردرات التي دفع ثمنها لا بأخلاقه أو قدرته على بناء بيت.
لقد اختلطت الرومانسية بالاستهلاك، وأصبح بعض الشباب يتقدم لخطبة فتاة، فيكتشف أنه لم يرتبط بإنسانة، بل اشترك في باقة شهرية قابلة للزيادة مع كل "تريند" جديد على مواقع التواصل. وما خفي كان أعظم
إن البيوت لا تبنى بالشوكولاتة، ولا تستمر بالبرجر، ولا يحميها صندوق هدايا فاخر البيوت تبنى عندما يفهم الطرفان أن الحب مشاركة، لا فاتورة، وأن الكرم فضيلة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى اختبار يومي لإثبات المشاعر.
اقرأ أيضا| حاتم نعام يكتب: كرة القدم وأسرتي.. دبلوماسية من نوع آخر

د. محمد حسن البنا يكتب: حماية جهاز الحماية !
محمد بركات يكتب: الدولة القوية
أحمد هاشم يكتب: درع الوطن وسيفه






