من التعسف والظلم التأريخي، فصل ما جرى فى السابع من أكتوبر٢٠٢٣، من عملية طوفان الأقصي، وهى الذكرى التى مر عليها ألف يوم، عن مسار النضال الفلسطيني، المستمر منذ أكثر قرن ضد الاحتلال، ثلاثين عاماً منها تحت الاستعمار البريطاني، وأكثر من ٧٥ عاماً على الاحتلال الإسرائيلي، فالشعب الفلسطينى ليس استثناءً من القاعدة التى تكشف عن نضال الشعوب–كل الشعوب–لنيل حقوقها المشروعة واستقلالها، وإن كان هناك خصوصية للحالة الفلسطينية،
بوجود احتلال استيطاني، ومخططات إسرائيلية لتصفية القضية، والسيطرة على الأرض وتهويدها، وتكشف أحداث التاريخ قيام الشعب بعدد من الانتفاضات الشعبية فى ثلاثينيات القرن الماضي، مرورًا بتبنى الكفاح المسلح مع حركة فتح منذ الستينيات، والعودة إلى النضال عبر الانتفاضات الثلاث، الأولى عام ١٩٧٨، والثانية من عام ٢٠٠٠ إلى ٢٠٠٥، والثالثة انتفاضة القدس واستمرت عاماً منذ أكتوبر ٢٠١٥، دون أى استجابة إسرائيلية باتجاه حل الأزمة.
ولعل حالة اليأس التى وصل إليها الشعب الفلسطينى من إمكانية حصوله على حقوقه المشروعة، نتيجة فشل المسار السياسى والمفاوضات، بعد التوقيع على أوسلو عام ١٩٩٣، حيث لم تلتزم تل أبيب بأى من بنودها، كان وراء الوصول إلى القيام بعملية طوفان الأقصى فى السابع من أكتوبر٢٠٢٣، عندما عاشت إسرائيل وجيشها أكبر حالة انكشاف استراتيجى فى تاريخها، بعد عانت أهم مفاجأة تعرضت لها، بقيام جماعات المقاومة الفلسطينية، وفى القلب مع حماس، باقتحام الجدار العازل، والبدء بعمليات داخل غلاف غزة، واستهداف المستوطنات المجاورة للقطاع، والذى يضم عشرات المستوطنات، والذى يمثل فشلاً استخبارياً ضخماً، سواء فى الاكتشاف المبكر عن العمليات، أو استمرار حالة الفوضى فى فرقة غزة،
حيث عجزت ليوم كامل عن القيام بأى رد فعل، وأدت إلى مقتل نحو ١٢٠٠ ما بين عسكرى ومدني، وأسر العشرات من الإسرائيليين فى أهم عملية ضد إسرائيل، ولعل مرور ذكرى ألف يوم كافية لمحاولة رصد وتقييم توابع الطوفان، خاصة مع وجود تباين واسع فى النظر إلى نتائج العملية، حتى بين الفلسطينيين أنفسهم،
تيار يحملها مسئولية ما جرى من منظور حجم الخسائر التى تكبدها سكان غزة، البالغ عددهم أكثر من مليونين و٤٠٠ ألف، الذين يتعرضون للإبادة والتجويع والتطهير العرقي، فقد وصل عدد الشهداء أكثر من ٧٣ ألفاً، سواء من الأطفال والنساء، والمصابون أكثر من١٧٣ ألفاً، وأكثر من ٩ آلاف مازالوا مفقودين، وعلى المستوى الاقتصادي، فقد كشفت أرقام المكتب الإعلامى الحكومي، أن الخسائر وصلت إلى ٨٠ مليار دولار فى القطاعات الخدمية، وعلى الأرض يسيطر الجيش الإسرائيلى على ٦٠ بالمائة من القطاع.
ومع كل التقدير لأصحاب هذا التوجه مع الإقرار بحالة الإبادة، وتجاوز الوضع الإنسانى حدود الكارثية، ولكن أصحاب المدرسة الثانية، توسع النظرة إلى ما جري، وتتوقف عند الإنجازات على الصعيد السياسي، فهناك ثمن غال يتم دفعه، للبحث عن الحرية والاستقلال، وتؤكد على أن طوفان الأقصي، حدث مفصلى فى تاريخ المنطقة، ولم يكن الهدف منه تحرير فلسطين، بل تحريك قضيتها الراكدة، وكسر حالة الجمود، واستمرار مخطط دفن القضية، ونجحت بالفعل فى ذلك، بعد أن أعادت القضية كمركز للصراع فى المنطقة، وإعادة طرحها على جدول الأعمال الدولية، بعد تجاهلها لسنوات، وانشغال العالم بالحرب الروسية الأوكرانية، وكشفت أيضاً عن هشاشة التحالفات الإقليمية القائمة على التطبيع،
وحولت الصراع من مواجهات عسكرية إلى معركة قانونية وشرعية دولية، كما انتهى مشروع زرع إسرائيل فى قلب الجوار العربي، عبر الاتفاقيات الإبراهيمية، منذ أن رعتها واشنطن فى سبتمبر٢٠٢٠، وإدخالها كطرف محورى فى المشاريع الاقتصادية الكبري، ومنها ممر الهند الإقليمى الذى يستبدل الموانئ الإسرائيلية بقناة السويس، والبحث فى إقامة ناتو إقليمى يضم عدداً من الدول العربية ومعها إسرائيل، لمواجهة ما يتم الترويج له عن الخطر الإيراني،
وتوحيد الجهود للتعاطى معه عسكريًا، وانتهى أى حديث عن تطبيع العلاقات بين تل أبيب والرياض، وبقية الدول العربية والإسلامية، وفرضت التحولات السياسية فى المنطقة، إعادة النظر فى مفهومها للأمن الاستراتيجي، وربما بالاقتراب من إيران بديلاً عن إسرائيل.
لم تتوقف نتائج طوفان الأقصى عند هذا الحد، بل زادت القناعة الدولية، بحل الدولتين، وتم تشكيل تحالف دولى للسعى لتحقيق ذلك، بمشاركة أكثر من ٨٠ دولة ومنظمة، وكانت آخر اجتماعاتها فى أبريل الماضي، وزادت عزلة إسرائيل دولياً، وسقطت عنها ذريعة المظلومية التاريخية، وكشف عن وجهها القبيح، وفقًا لاستطلاعات الرأى فى أوربا وأمريكا، وآخرها نتائج استطلاع أجراه «مركز بيو للأبحاث» العام الماضي، فى ٢٤ دولة،
حيث سادت النظرة السلبية لإسرائيل، والانحياز إلى حقوق الشعب الفلسطيني، بما فيها أمريكا، وفى دول أوربية مثل بريطانيا والمانيا وفرنسا وأسبانيا وهولندا والسويد وإيطاليا، كما أدى إلى اتساع نطاق ملاحقتها قضائيًا، وأهمها أمام محكمة العدل الدولية، بتهمة الإبادة الجماعية، وارتكاب جرائم حرب.
وقد نجحت حماس فى استثمار هذه المناسبة، لتحقيق اختراق سياسى ضخم، يمكن أن يساهم فى سد الذرائع الإسرائيلية والأمريكية، وإنهاء الجمود الذى أصاب ملف غزة، منذ طرح خطة السلام، التى وافق عليها الطرف الإسرائيلى والفلسطينى فى أكتوبر الماضي، وتضمنت ٢٠ بنداً، تم تنفيذ بعضها، خاصة تلك التى تهم إسرائيل،
وفى مقدمتها خطة لتبادل الإفراج عن الأسري، وفقاً للمرحلة الأولى، وكان من المقرر بدء المرحلة الثانية فى يناير الماضي، ولكن الأمور تسير إلى الأسوأ، وقد أعلنت حماس أول أمس الاثنين، تخليها عن حكم القطاع، بعد استقالة مدير مكتب متابعة العمل الحكومي،
ونقل صلاحياتها إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التى تمارس عملها من القاهرة، وتمنع تل أبيب دخولها إلى القطاع حتى الآن، وأصبحت الكرة فى ملعب واشنطن، التى عليها أن تضغط باتجاه تنفيذ خطة ترامب للسلام، خاصة إتمام الانسحاب الإسرائيلى من القطاع، وبدء الإعمار.
وبعد، فبعد مرور ألف يوم على الطوفان، فالحقيقة تقول إن إسرائيل لم تخرج من الحرب منتصرة ولا مهزومة، ولكن عليها أن تتعاطى مع توابع ما جرى، ولن تجدى حالة الإنكار والاستكبار التى تعيشها حكومة اليمين المتطرف فى إسرائيل، كما أن المقاومة الفلسطينية لم تنته، فما حدث مرحلة من مراحل المشروع الفلسطينى للتحرر والاستقلال وإقامة الدولة.

خير راغب يكتب: متى يعود الخط الملاحي؟
المحليات «كيه جى وان» سياسة
الفيفا.. القوة العظمى فى تاريخ البشرية






