بيئة مؤسسية تعتمد على المعلومات الدقيقة وتحليل البدائل
بعد افتتاح الرئيس عبدالفتاح السيسي القائد الأعلى للقوات المسلحة مقر قيادة الدولة الاستراتيجي بالعاصمة الجديدة، ظن البعض أن الأمر مجرد انتقال أشخاص أو «مكاتب» من مقر لآخر .. ولكن الأمر أكبر من ذلك بكثير، فرؤية الدولة المصرية لحاضرها واستشرافها لمستقبلها كان يحتم عليها أن تشرع في بناء القيادة الاستراتيجية للدولة .. «الأخبار» استطلعت آراء عدد من الخبراء العسكريين لاستيضاح كيف يمكن أن يضيف مقر القيادة الاستراتيجي للدولة المصرية، وبيان الأهمية بل والضرورة من وراء هذا القرار الاستراتيجي للدولة المصرية.
في البداية أكد اللواء أ. ح. عادل العمدة المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية وعضو المجلس المصرى للشؤون الخارجية أن القيادة الاستراتيجية ليست مجرد قيادة تدير مؤسسات الدولة، وإنما هي قيادة تستشرف المستقبل وتقرأ التهديدات قبل وقوعها، كما يمكن الدولة من تحويل التحديات إلى فرص .. وفي عالم يشهد تغيرات متسارعة أصبحت قدرة الدولة على إدارة الأزمات معيارا رئيسيا لقوة مؤسساتها وكفاءة قيادتها.
وأوضح العمدة أنه في الحالة المصرية تواجه الدولة بيئة استراتيجية شديدة التعقيد، تشمل تحديات إقليمية على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية، وتهديدات إرهابية، ومتغيرات اقتصادية عالمية وأزمات في سلاسل الإمداد والطاقة، فضلاً عن تحديات الأمن المائي .. لذلك، فإن وجود قيادة استراتيجية قادرة على إدارة هذه الملفات بصورة متكاملة يعد أحد أهم عناصر الحفاظ على الأمن القومي.
وأشار العمدة إلى أن أهمية القيادة الاستراتيجية تبرز في إدارة الأزمات من خلال عدة أبعاد أولها الاستشراف المبكر للمخاطر .. فالقيادة الاستراتيجية لا تنتظر الأزمة حتى تقع، بل تعتمد على المعلومات والتحليل والتقدير الاستراتيجي لاستباق التهديدات ووضع السيناريوهات المختلفة للتعامل معها.
إتخاذ القرار
وثانيها هو سرعة إتخاذ القرار، ففي الأزمات لا يكون الوقت في صالح متخذ القرار .. لذلك، فإن وجود منظومة قيادة وسيطرة متطورة ومراكز معلومات متكاملة يختصر زمن تداول المعلومات ويجعل القرار أكثر سرعة ودقة.
وأكد المستشار بالأكاديمية العسكرية أن توحيد الجهود الوطنية، يتم من خلال القيادة الاستراتيجية حيث يتم التنسيق بين مؤسسات الدولة كافة، بحيث تعمل الأجهزة السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والإعلامية وفق رؤية واحدة، وهو ما يمنع تضارب القرارات ويحقق وحدة الأداء.
وأوضح المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية أنه فيما يتعلق باتخاذ القرارات الصحيحة للدولة فإن القيادة الاستراتيجية توفر بيئة مؤسسية تعتمد على المعلومات الدقيقة، وتحليل البدائل، وتقدير المخاطر والعوائد، بما يقلل من القرارات الانفعالية أو العشوائية .. فكل قرار استراتيجي ناجح يمر بمراحل تبدأ بجمع المعلومات ثم التحليل فبناء السيناريوهات، ثم اختيار البديل الأنسب الذي يحقق المصلحة الوطنية بأقل تكلفة وأعلى كفاءة.
البنية التكنولوجية
ومع تطور البنية التكنولوجية ومراكز القيادة والسيطرة الحديثة أصبحت عملية صنع القرار تعتمد على قواعد بيانات لحظية وأنظمة اتصالات مؤمنة وتقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وهو ما يرفع من جودة القرار ويزيد من قدرة الدولة على الاستجابة السريعة للأزمات.. ومن جهة أخرى قال اللواء أ. ح. د. محمد الشهاوي زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية رئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق عضو المجلس المصري للشئون الخارجية إن العصور العسكرية والحربية وأنظمة قيادة الدولة تطورت .. وفي العقيدة الأمنية الحديثة، لا تُقاس قوة الدولة فقط بعدد قواتها أو نوعية تسليحها، وإنما بقدرتها على رؤية التهديد مبكراً، واستيعاب المعلومات بسرعة، واتخاذ القرار في التوقيت المناسب، ثم ضمان استمرار مؤسساتها في العمل تحت أقسى الظروف.
مقر القيادة
وأوضح الشهاوي أنه من هذا المنظور، ينبغي قراءة مقر قيادة الدولة الاستراتيجي بالعاصمة الإدارية الجديدة، باعتباره تحولاً نوعياً في منظومة إدارة الأمن القومي المصري، وليس مجرد انتقال لمقر وزارة الدفاع إلى مبانٍ أكثر حداثة.. وقال أن القيمة الحقيقية للمقر تكمن في أنه يمثل انتقالاً من مفهوم «مقر القيادة» إلى مفهوم «منظومة قيادة الدولة» .. فالحروب المعاصرة لم تعد تبدأ بالضرورة بتحرك الدبابات أو إقلاع الطائرات، بل قد تبدأ بهجوم سيبراني يعطل شبكة كهرباء، أو باستهداف منظومة اتصالات، أو بحملة معلوماتية تربك المجتمع، أو بأزمة ممتدة تضغط على الموارد وسلاسل الإمداد .. ولهذا أصبحت قدرة الدولة على دمج المعلومات المدنية والعسكرية، وتكوين صورة موقف موحدة، شرطًا أساسيًا لحماية الأمن القومي.
منظومة متكاملة
كما أوضح مستشار كلية القادة والأركان أن مركز قيادة الدولة الاستراتيجي يضم منظومة متكاملة تشمل مركز تنسيق أعمال دفاع الدولة، ومركز البيانات الاستراتيجي الموحد الذي يجمع بيانات مؤسساتها، ومركز التحكم في الشبكة الاستراتيجية المغلقة للجهاز الإداري، ومركز إدارة وتشغيل مرافق الدولة، ومركز التحكم في شبكة الاتصالات، إلى جانب مراكز الطوارئ والسلامة الميدانية والتنبؤات الجوية، كما يضم مخازن لتأمين احتياجات الدولة من السلع الاستراتيجية، فضلًا عن منشآت تعليمية وإدارية وطبية وخدمية متكاملة.
وقال إن هذا التكامل يعني أن متخذ القرار لا ينتظر وصول تقارير منفصلة من جهات متعددة، قد تتباين تقديراتها أو تتأخر معلوماتها، بل يستطيع التعامل مع صورة موقف مشتركة تتدفق إليها البيانات من القطاعات المختلفة .. ونتيجة هذا هو تقليص الفجوة بين وقوع الحدث وفهمه، وبين فهمه وإصدار القرار، وبين صدور القرار وتنفيذه، وفي إدارة الأزمات، تمثل هذه الدقائق الفاصلة فارقًا بين احتواء الأزمة وتحولها إلى تهديد واسع.
وأوضح اللواء أ. ح. محمد الشهاوي أن المقر يعكس تطوراً مهماً في مفهوم الردع المصرى .. فالردع لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بإقناع الخصم بأن الدولة قادرة على امتصاص الضربة، واستمرار القيادة والسيطرة، وحماية منشآتها الحيوية، واستعادة كفاءتها التشغيلية سريعاً .. ومن ثم فإن إنشاء شبكات استراتيجية مغلقة، وتأمين الاتصالات والمرافق والبيانات، وربط أجهزة الطوارئ في منظومة موحدة، يضيف إلى الردع العسكري التقليدي أبعاداً سيبرانية ومعلوماتية ومؤسسية.
المرافق الحيوية
وأكد أنه في هذا الاتجاه تم إنشاء منظومة وطنية للطوارئ والسلامة العامة لربط عناصر الطوارئ والمرافق الحيوية من خلال مركز رئيسي وغرف عمليات وشبكات موحدة ومؤمنة، بما يرفع مستوى التنسيق بين الوزارات والمحافظات والجهات المعنية ويحسن سرعة الاستجابة للحوادث والأزمات.
وأكد الشهاوي أن المقر يبعث برسائل واضحة وحاسمة بأن مصر تدرك طبيعة التحولات في بيئتها الاستراتيجية، حيث تتزايد الحروب غير التقليدية، وتتداخل التهديدات العسكرية مع الهجمات السيبرانية والأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية وحملات التضليل وسط إقليمٍ مضطرب .. لتصبح الدولة القادرة على حماية مؤسساتها وإدارة أزماتها عنصر استقرار يتجاوز تأثيره حدودها الجغرافية.
وزير التعليم: الالتزام بتوزيع الأسئلة فى المواعيد المحددة
التظلم على إيقاف بطاقات التموين إلكترونيًا| إعادة التشغيل فور إزالة أسباب المخالفات وتقنين الأوضاع
مليون زائر لشواطئ الإسكندرية وإقبال كثيف على الإسماعيلية ورأس البر






