نادرًا ما يعلن التاريخ نهاية حقبة من تلقاء نفسه؛ ففى أغلب الأحيان لا تدرك القوى العظمى أنها دخلت مرحلة التراجع إلا بعد أن تبدأ الأسس التى قامت عليها هيمنتها فى التآكل. ففى نهاية القرن العشرين بدت الولايات المتحدة وكأنها تقف فوق التاريخ نفسه، وبعد أن تفوقت على الشيوعية وخرجت من الحرب الباردة بوصفها القوة العظمى الوحيدة فى العالم، امتلكت قوة عسكرية لا تضاهى، ونفوذًا اقتصاديًا هائلًا، وريادة تكنولوجية، ونموذجًا سياسيًا سعى الملايين إلى محاكاته، واعتقد كثيرون أن الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الحر قد حققا انتصارًا دائمًا.
إلا أنه وبعد ثلاثة عقود فقط يواجه النظام الدولى الذى بنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية أكبر اختبار له، فقد أعاد الصعود الاستثنائى للصين والثورة الرقمية وتصاعد المنافسات الجيوسياسية والاستقطاب السياسى المتزايد داخل الولايات المتحدة تشكيل المشهد العالمى، وبينما تقترب واشنطن من الذكرى الـ250 لاستقلالها لم يعد السؤال يتمحور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال قوة عظمى؟ بل حول ما إذا كان عصر القيادة الأمريكية غير المتنازع عليها يقترب من نهايته.
خلال القرن التاسع عشر هيمنت بريطانيا على النظام الدولى، لكن تحت هذا السطح، كانت قوة أخرى تعيد تشكيل نفسها بهدوء؛ فقد تبنت الولايات المتحدة الثورة الصناعية الثانية بسرعة لافتة، وبحلول عشية الحرب العالمية الأولى، تجاوز الاقتصاد الأمريكى جميع منافسيه الأوروبيين، واضعًا الأسس لما سيُعرف لاحقًا بـ"القرن الأمريكى".
ومن المفارقات أن القوى الأوروبية الكبرى بينما كانت تعتقد أن صراعها على الهيمنة القارية يمثل المعركة الحاسمة فى عصرها كان التاريخ يتحرك بالفعل فى اتجاه آخر، فقد شكّل صعود ألمانيا تهديدًا لبريطانيا وفرنسا، لكن التحول الجيوسياسى الأكبر كان يجرى على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسى، فقد امتلكت الولايات المتحدة ليس فقط موارد طبيعية هائلة وسكانًا يتزايدون بسرعة، بل أيضًا نظامًا سياسيًا قادرًا على دعم النمو الصناعى على نطاق غير مسبوق.
وأكــدت الحــرب العـالمية الأولــــى التفــــــوق الاقتصادى الأمريكى؛ إذ خرجــــت القــوى الأوروبـية منهكة، مثقلة بالديون، وتعانى اضطرابات سياسية، بينما أصبحت الولايات المتحدة المركز المالى الرئيسى للعالم، لكن قرار واشنطن بالانسحاب من قيادة الشئون الدولية بعد الحرب أثبت أنه كان مكلفًا؛ إذ انهار اتفاق السلام الهش وسط الأزمات الاقتصادية، وصعود التطرف السياسى، والكساد الكبير، مما مهد الطريق لحرب عالمية أخرى.
نتيجة مختلفة
أما الحرب العالمية الثانية فقد أسفرت عن نتيجة مختلفة، هذه المرة، ظلت الولايات المتحدة منخرطة فى النظام الدولى. فمن خلال مشروع مارشال حلف شمال الأطلسي الناتو، ومؤسسات بريتون وودز وشبكة من التحالفات امتدت عبر أوروبا وآسيا تولت واشنطن مسئولية تشكيل نظام دولى جديد، وحولت الحرب الباردة هذه القيادة إلى التزام استراتيجى طويل الأمد.
فقد دفعت المنافسة مع الاتحاد السوفيتى إلى استثمارات غير مسبوقة فى العلوم والتعليم والتكنولوجيا والدفـــــاع، بينـــــما أصبــــــحت الديمقــــراطية الليبــــــــرالية والرأسمالية المدارة من السمات المميزة للعالم الغربى، وعندما انهار الاتحاد السوفيتى عام 1991 اعتقد كثير من المراقبين أن التاريخ قد بلغ محطته النهائية، وهى الرؤية التى تناولها المؤرخ والكاتب الاقتصادى "مارتن وولف" فى تحليله المنشور بصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، والذى ناقش كيف هزمت الولايات المتحدة جميع منافسيها الجيوسياسيين الرئيسيين فى القرن العشرين، من ألمانيا الإمبراطورية واليابان الإمبراطورية إلى ألمانيا النازية والشيوعية السوفيتية، ودخلت الولايات المتحدة ما أصبح يُعرف بـ"اللحظة الأحادية القطبية"، حيث تمتعت بنفوذ عسكرى ومالى ودبلوماسى غير مسبوق، وأصبحــــت عملتها العمــــــود الفقرى للتجارة العالمية، واستقطبت جامعاتها ألمع العقول فى العالم، وأعادت شركاتها التكنولوجية تشكيل الحياة اليومية عبر القارات. لكن التاريخ دأب دائمًا على تحدى افتراضات الثبات.
وبرز أول تحدٍّ كبير من الصين؛ فمنذ بدء الإصلاحات الاقتصادية التى قادها الزعيم الصينى دنج شياو بينج، تحولت بكين إلى أكبر قوة صناعية فى العالم، فقد أدت عقود من التصنيع السريع، والاستثمار فى البنية التحتية، والتطور التكنولوجى، والاندماج فى التجارة العالمية، إلى ظهور أول منافس حقيقى للولايات المتحدة منذ أكثر من قرن، واليوم لم تعد المنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين تقتصر على التجارة، بل امتدت إلى الذكاء الاصطناعى، وإنتاج أشباه الموصلات، والقدرات السيبرانية، والحوسبة الكمومية، والتحديث العسكرى، والنفوذ العالمى فى إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة المحيطين الهندى والهادئ.
أما التحول الثانى فجاء مع الثورة الرقمية؛ فقد سرعت تكنولوجيا المعلومات وتيرة العولمة، لكنها فى الوقت ذاته أعادت توزيع القوة، وأصبحت شركات التكنولوجيا جهات فاعلة جيوسياسيًا بحد ذاتها، وأصبح التنافس الاقتصادى يعتمد اليوم ليس فقط على القدرة الصناعية، بل أيضًا على الريادة فى البيانات، والخوارزميات، والحوسبة المتقدمة.
التحدى الأكبر
ولعل التحدى الأكبر يكمن داخل الولايات المتحدة نفسها، فقد بلغ الاستقطاب السياسي مستويات لم تشهدها البلاد منذ عقود، وتراجعت الثقة فى المؤسسات العامة، وباتت التوترات الداخلية تؤثر بصورة متزايدة فى نظرة العالم إلى القيادة الأمريكية.
وأدت عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض إلى تعميق هذه النقاشات، ويرى مؤيدوه أن إدارته تسعى إلى استعادة السيادة الأمريكية، وتقليل الاعتماد على العولمة، وتعزيز أمن الحدود، وإعادة موازنة التحالفات الدولية بما يخدم المصالح الوطنية الأمريكية، وفى المقابل يرى منتقدوه أن هذه السياسات أرهقت العلاقات مع الحلفاء التقليديين، وأضعفت الثقة فى المؤسسات الديمقراطية الأمريكية، وأدخلت قدرًا كبيرًا من عدم اليقين إلى النظام الدولى.
وبغض النظر عن الموقف السياسى فإن قلة قليلة فقط تنكر أن طبيعة القيادة الأمريكية دخلت مرحلة جديدة، ووفقًا لوكالة "رويترز" أظهر استطلاع عالمى للديمقراطية تراجعًا فى النظرة الدولية إلى الولايات المتحدة للعام الثانى على التوالى فى عهد ترامب، حيث انخفضت شعبيتها إلى ما دون مستوى روسيا للمرة الأولى فى تاريخ المؤشر، وعزا الباحثون هذا التراجع إلى توتر العلاقات مع حلفاء الناتو، واتباع سياسة خارجية أكثر تصادمية، وتزايد المخاوف بشأن المؤسسات الديمقراطية الأمريكية، وتؤكد هذه النتائج التحديات المتزايدة التى تواجه صورة الولايات المتحدة وقيادتها على الصعيد العالمى، رغم استمرار قوتها العسكرية والاقتصادية.
تراجع الديمقراطية
وبحسـب تحليـل أجـراه مركـــز "بيو" للأبحاث خلال العام الجارى تظهر مؤشرات ديمقراطية مستقلة متعــددة - بمـا فى ذلك مؤشـرات معهد V-Dem، ومنظمــة فريدوم هــاوس، ووحــدة الاسـتخــبارات - الاقتصادية، أن وضع الديمقراطية فى الولايات المتحدة تراجع أكثر خلال عام 2025.
وبالنظر إلى المستقبل من غير المرجح أن تُحسم معارك القرن الحادى والعشرين بالجيوش وحدها، فالذكـاء الاصطنـاعى والتكنــــولوجيا الحيوية والتصنيع المتقدم وأمن الطاقة والابتكار العلمى أصبحت جميعها محددات رئيسية للقوة الوطنية، ولا تقل أهمية عن ذلك قدرة المؤسسات الديمقراطية على التكيف مع التغيرات الاجتماعية، مع الحفاظ على ثقة المواطنين والاستقرار السياسى.
إن القرن الأمريكى لا ينتهى لأن الولايات المتحدة فقدت قوتها؛ فهى لا تزال القوة العسكرية الأولى فى العالم، وصاحبة العملة الاحتياطية الرئيسية، ومركزًا عالميًا للبحث العلمى، وموطنًا للعديد من الشركات التى تقود ثورة الذكاء الاصطناعى، لكن ما تغير هو البيئة الدولية؛ فقد انتهى عصر الهيمنة الأمريكية غير المتنازع عليها، ليحل محله عصر من المنافسة الاستراتيجية، وتقاسم النفوذ، والتحولات التكنولوجية المتسارعة.
ويذكرنا التاريخ بأن القوى العظمى نادرًا ما تختفى بين ليلة وضحاها، بل إنها فى الغالب تتطور، وتتأقلم، وتعيد تعريف دورها داخل عالم متغير. وما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من تجديد مصادر القوة التى دعمت قيادتها العالمية لعقود؟، أم أن نظامًا دوليًا متعدد الأقطاب سيحل محل النظام الذى قادته واشنطن؟ قد يصبح أحد أهم الأسئلة التى ستحدد ملامح القرن الحادي والعشرين.
اقرأ أيضا: كتاب يكشف طقوس ترامب الليلية في البيت الأبيض.. فيغضب ويمنع موظفيه من الحديث عنه
«مستنقع إيران» يطارد الرئيس الأمريكي.. الكونجرس في مواجهة ترامب
الكونجرس للبيع!.. التمويل الخفي يحكم انتخابات أمريكا
حرب إيران تشعل الخلافات.. تحالف «واشنطن ــ أوروبا» يتصدع






