لا تُقاس الثورات بما تُحدثه من تغيير فى السلطة وحدها، وإنما بما تتركه فى وجدان الشعوب، وأحد أهم إنجازات ثورة ٣٠ يونيو أنها أعادت الاعتبار للدولة الوطنية، ورسخت مفهوم المواطنة، باعتباره الأساس الحاكم للعلاقة بين جميع المصريين، دون تمييز على أساس الدين أو العقيدة.
كشفت تجربة حكم جماعة الإخوان، التي لم تستمر سوى عام واحد، عن حجم المخاطر التي تترتب على توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية، وبدلًا من أن يكون الدين عاملًا لترسيخ قيم الرحمة والتسامح، تحول خطاب الجماعة إلى وسيلة لاستقطاب وتقسيم المجتمع بين مؤمنين وغير مؤمنين، وموالين ومعارضين، وتصاعدت مظاهر الاحتقان الطائفى، واعتداءات على الكنائس والممتلكات، وظهرت دعوات وفتاوى أعادت مفاهيم تجاوزها التاريخ، وخطاب اتسم بالإقصاء والكراهية، بما هدد أحد أهم ثوابت الدولة المصرية، وهو وحدة نسيجها الوطنى.
أخطأت الجماعة فى قراءة الشخصية المصرية، وظنت أن الشعارات الدينية وحدها، كفيلة بكسب العقول والقلوب، بينما أثبتت الوقائع أن المصريين يميزون بين التدين الصادق، وبين استغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية، فالإسلام الذى عرفته مصر عبر تاريخها هو الاعتدال والوسطية، والعدل واحترام الإنسان، وليس الفرقة أو الإقصاء، وفشلت محاولات المتاجرة بالدين فى مجتمع تشكلت هويته عبر قرون من التعايش بين المسلمين والأقباط.
والمفارقة أن كل محاولات بث الفرقة جاءت بنتائج عكسية، فكلما اشتدت موجات التحريض، ازداد الأقباط تمسكًا بوطنهم، وازداد المسلمون إصرارًا على الدفاع عن شركائهم في الوطن، وأن العلاقة بين أبناء مصر ليست علاقة أغلبية وأقلية، وإنما مواطنين تجمعهم أرض واحدة، وتاريخ واحد، ومصير واحد، وتحولت المواطنة من شعار سياسى إلى ممارسة وطنية أكدتها مواقف المصريين فى أصعب الظروف.
وأدرك المصريون أن الخطر الحقيقى لم يكن اختلاف الأديان، وإنما محاولات احتكار الوطن واختطاف الدولة، لحساب تنظيم يضع مصالحه فوق مصالح الأمة، وعبر الحراك الشعبى عن إرادة جماعية لاستعادة الدولة، والحفاظ على هويتها الوطنية، ورفض أى مشروع يسعى إلى تمزيق المجتمع، أو فرض وصاية فكرية ودينية.
ومن تلك اللحظة الفارقة، يبقى الدرس الأهم حاضرًا بقوة، فالدول لا يحميها السلاح، وحده وعى شعوبها، وتمسكها بوحدتها، وإيمانها بأن التنوع مصدر قوة لا سبب للصراع، وانتصرت مصر؛ لأن شعبها رفض أن تتحول العقيدة إلى أداة للانقسام، أو أن يصبح الدين وسيلة لإقصاء شركاء الوطن.
وتظل تلك الأحداث علامة فارقة فى التاريخ المصرى الحديث، لأنها أكدت أن مصر بكل تنوعها الدينى والثقافى أكبر من أى تنظيم، وأقوى من أى محاولة لشق صفها، فالوحدة الوطنية لم تكن يومًا شعارًا ترفعه الدولة في المناسبات، بل صمام الأمان، والركيزة التى تحفظ الوطن، وتصون هويته، وتؤكد أن المصريين جميعًا مسلمين وأقباطًا، شركاء متساوون في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.

نتنياهو وأمريكا.. واللعب على المكشوف
عمرو الخياط يكتب: ثورة شعب
د.أسامة أبوزيد يكتب: «رجل الأقدار»






