تتجه أنظار العالم خلال ساعات إلى القاهرة، وبالتحديد إلى العاصمة الجديدة، حيث تُكتب صفحة جديدة فى سجل مصر الخالد ، فالقوات المسلحة المصرية تُدشِّن لحظة فارقة تُضاف إلى ذاكرة الدولة الممتدة عبر آلاف السنين: افتتاح مقر القيادة الإستراتيجية، الذى قد يكون أدق تسمياته أنه «عقل الدولة المصرية» المستعِد لقيادتها فى الأيام المقبلة، والمهيَّأ لمواجهة كل ما قد تحمله هذه الأيام من تهديدات وتحديات ومخاطر، معروفة كانت أم بعد فى طور التشكل.
إننا أمام لحظة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من ثقل، لحظة تحمل فى طياتها روح ذلك اليوم الاستثنائى الذى شهدته مصر فى الثالث من يوليو 2013؛ يوم وقف فيه القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، الفريق أول عبدالفتاح السيسى، ليعلن للعالم كله انتهاء حكم جماعة الإخوان الإرهابية، ويضع أولى لبنات خارطة طريق نحو دولة مدنية حديثة، فكانت تلك اللحظة - وسيسجلها التاريخ كذلك مهما تعاقبت الأجيال - نقطة الانطلاق الحقيقية للجمهورية الجديدة.
واليوم، وقد مضت ثلاثة عشر عامًا على تلك اللحظة المؤسِّسة، يأتى الرابع من يوليو 2026 ليكمل خطًا لم ينقطع، فيرسم ملامح جديدة لبناء قوة مصر الحامية لمستقبلها، بل لمستقبل الإقليم من حولها إن أردنا الدقة فى القول، بوجود هذا المقر الذى يجمع خيوط القوة الشاملة المصرية تحت سقف واحد، وفق أحدث ما وصلت إليه نظم التأمين والإدارة الإستراتيجية التى تعتمدها الدول الكبرى المحورية فى محيطها، ومصر واحدة منها.
ولست أبالغ إن قلت إننا لسنا بصدد الحديث عن انتقال قيادة القوات المسلحة من مبنى إلى مبنى آخر حديث، ولا حتى عن قلعة عسكرية محصّنة كما قد يُخيَّل للوهلة الأولى، فالأمر يتجاوز ذلك كله إلى ما هو أعمق: إننا أمام كيان حى، مجتمع مؤسسى نابض بالحياة فى كل جنباته، محصَّن بأرفع معايير هذا العصر، ونظم تأمين تشمل الأرض والسماء وتمتد حتى إلى الفضاء الخارجى، نحن أمام كيان استراتيجى يجمع خيوط إدارة الدولة فى منظومة واحدة مؤمَّنة، تضمن لمصر أن تواصل العمل بكفاءة واقتدار فى أصعب اللحظات وأشدها تعقيدًا.
مقر القيادة الاستراتيجى
لو تأملنا الشكل المعمارى لمقر القيادة الإستراتيجى نجد إشاراتٍ ورموزًا تنتمى فى جوهرها إلى صميم الهوية المصرية؛ فالشكل الثمانى، أو ما يُعرف فى لغة العمارة الحديثة بـ «الأوكتاجون»، لم يُستعَر من طراز غريب عن هذه الأرض، بل هو قادم أصلًا من رحم العمارة المصرية القديمة، ومن عمارة الأهرامات تحديدًا ، فالمجمع يتكوَّن من ثمانية مبانٍ مثمَّنة الأوجه على الطراز المصرى القديم، متراصة فى تكوين يستحضر النجمة السداسية التى تنتمى إلى العصر الإسلامى، فى حوار معمارى صامت بين عصرين لم ينقطعا يومًا عن بعضهما، حوار يعكس مكونات الشخصية المصرية بطبقاتها التاريخية المتعاقبة، ويعكس أيضًا طموحها فى مستقبل لا يقل عظمة عن ماضيها الممتد عبر آلاف السنين.
وللمرة الأولى فى تاريخ الدولة المصرية الحديثة، تتكامل داخل ذلك المبنى عناصر القوة الشاملة لمصر؛ فتتحد منظومات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التى كانت متناثرة بالأمس، وتتجمع وسائل المراقبة الأمنية والنظم الذكية التى تعزز قدرة الدولة على إدارة مؤسساتها بكفاءة وتلتقى القوات المسلحة بقطاعات الدولة المدنية فى فضاء واحد ، فتتشكَّل منهما كيانٌ واحد متماسك، قادر على الدفاع عن مصر ومواجهة التحديات فى كل اتجاه من اتجاهاتها الإستراتيجية، فى مشهد يجسد اصطفاف ووحدة المصريين ويستلهم روح ثورة 30 يونيو الخالدة.
أما على المستوى الإستراتيجى، فقد صُمم وفق معايير متقدمة تراعى متطلبات العمل فى مختلف السيناريوهات، بما فى ذلك الظروف الاستثنائية والكوارث والأزمات الممتدة، مع توفير بنية تكنولوجية واتصالية تسمح باستمرار القيادة والسيطرة وتبادل المعلومات واتخاذ القرار بكفاءة وسرعة محققًا التكامل بين مؤسسات الدولة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة ما يمثله المقر من انعكاس لفلسفة القيادة حيث يجسد مقر القيادة الإستراتيجية وبحق ملامح فن القيادة لدى الرئيس عبدالفتاح السيسى ، ورؤية الرئيس للتعامل دائمًا مع المخاطر والأزمات بشكل استباقى ، فالدول فى العصر الحديث لم تعد المخاطر التقليدية تشكل مصدر قلقها الوحيد ، فهناك الحروب السيبرانية، والهجمات على البنية الرقمية، والأزمات الاقتصادية العابرة للحدود، والكوارث الطبيعية، وحملات التضليل المعلوماتى، والتهديدات المرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد، وكلها تحديات تستلزم إدارة مختلفة وحسابًا للوقت وسرعة اتخاذ للقرار والاستعداد الدائم لكل الاحتمالات فى مواجهة مختلف الأزمات.
عمل موسوعى متكامل
ولأن الأفكار الكبرى لا تُفهم من خلال المنشآت وحدها، وإنما من خلال الرؤية التى تقف وراءها، يصبح من المفيد التوقف أمام كتاب «رجل الأقدار» ؛ وهو عمل موسوعى متكامل أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة، ويقدم سردية مُوثقة حول حياة الرئيس السيسى وملامح فن القيادة فى عصره، عبر بحث عميق، وتوثيق دقيق لشهادات كل من عاصر تلك الفترة الصعبة والحرجة فى تاريخ مصر. وقد خرج هذا العمل إلى النور برعاية ودعم المهندس عبد الصادق الشوربجى، رئيس الهيئة، بينما تصدى الكاتب الكبير حمدى رزق لمهمة شديدة الصعوبة؛ فانتقل من تسجيل الوقائع إلى تفكيك دلالاتها، ومن سرد الأحداث إلى قراءة ما كان يجرى خلفها من حسابات ورؤى وتقديرات.
ولذلك لا يقدم الكتاب مجرد سيرة لقائد، وإنما يقدم قراءة لمسيرة دولة واجهت واحدة من أخطر لحظاتها، وسيرة قائد مصرى فذ حمى مصر من ضياع هويتها، واستعاد دورها ومكانتها ، وفى الوقت نفسه، ينتصر للصحافة المكتوبة، ويؤكد أن الحروف المطبوعة، مثل نقوش المعابد، عصية على أن يطويها الزمن أو يقترب منها النسيان.
وإذا جمعنا بين ما يعرضه الكتاب وما يجسده مقر القيادة الإستراتيجية على أرض الواقع، أمكن فهم الخيط الذى يربط بين مختلف مشروعات الدولة، ولذلك تبدو صفحات الكتاب أقرب إلى محاولة لفهم منطق الدولة وهى تعيد بناء نفسها، لا من خلال استعراض الإنجازات، وإنما عبر تتبع الخيط الذى يربط بينها جميعًا. فحين تتجاور القيادة الإستراتيجية مع شبكة طرق عابرة للجمهورية، ومدن جديدة، ومحطات للطاقة المتجددة، وموانئ، ومناطق لوجستية، ومشروعات للاستصلاح الزراعى، فإن الذى يتشكل أمامنا ليس قائمة مشروعات، وإنما تصور متكامل للدولة كما أرادها الرئيس السيسى: دولة تمتلك أسباب القوة قبل أن تواجه التحديات، وتبنى أدوات الردع بالتوازى مع أدوات التنمية، وتعتبر الاقتصاد والأمن وجهين لحقيقة واحدة، لا مجال للفصل بينهما.
امتلاك منظومة القرار
وعند هذه النقطة يتجاوز الحديث حدود التجربة المصرية ليصل إلى أحد المبادئ الراسخة فى الفكر الإستراتيجى. وربما كانت القيمة الحقيقية لهذا الاقتراب أنه يعيد التذكير بما ذهب إليه المفكر الإستراتيجى الألمانى الأشهر كارل فون كلاوزفيتز فى كتابه العمدة «فى الحرب»؛ فالقوة، فى جوهرها، لا تُقاس بما تملكه الدولة من سلاح فحسب، وإنما بما تملكه من عقل قادر على إدارة هذه القوة وسط الفوضى.
ولذلك فإن بناء القوة لا يبدأ عند امتلاك السلاح فقط، وإنما يبدأ عند امتلاك منظومة القرار، والقدرة على التنسيق، وسرعة الاستجابة، وضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة فى أصعب الظروف.
وهنا تتجلى ملامح فن القيادة وبناء القوة فى فكر الرئيس السيسى؛ فهى لا تنتظر وقوع المخاطر حتى تخطط للتعامل معها، بل تستشرفها من بعيد، وتستعد لها فى أقصى الظروف وأصعبها، وتؤسس للمستقبل وهى تنظر إلى ما وراء الغد.

النسيج الوطنى.. صمام أمان
نتنياهو وأمريكا.. واللعب على المكشوف
عمرو الخياط يكتب: ثورة شعب






