قلب مفتوح

صراع بلا نهايات

هشام عطية
هشام عطية


نجحت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية فى إسكات أصوات المدافع مؤقتًا، لكنها لم تخمد نيران الصراع، بل حولت استراتيجية المواجهة من حرب مفتوحة إلى لعبة حافة الهاوية، حيث أصبح القتال أداة ضغط يومية لتحقيق مكاسب على طاولات المفاوضات.

المذكرة لم تمس الجذور العميقة للأزمة. فالشرق الأوسط لا يعرف سلامًا كاملًا، بل يعرف هدنات تلتقط فيها الأطراف أنفاسها استعدادًا لجولات جديدة.

 جمرات كثيرة لا تزال تحت الرماد مثل برنامج الصواريخ، التفتيش على المنشآت النووية، مضيق هرمز واليورانيوم المخصب، وأذرع إيران فى المنطقة. كذلك الصراع على النفوذ وموازين القوة وترتيبات الأمن الإقليمى لا يزال قائمًا، ينتظر لحظة يعاود فيها الظهور بأشكال أخرى.

حسب النظرية الواقعية، معضلة الأمن ستظل تحكم هذا الصراع قدرًا محتومًا. فالسعى الإيرانى للتحصين عبر التخصيب أو الوكلاء، يراه الكيان الصهيونى تهديدًا وجوديًا، لتظل حلقة مفرغة من الذعر المتبادل، حيث يتضخم الخوف من الشبح النووى الإيرانى  فى عقل سفاحى ومجرمى تل أبيب خشية أن ينتزع منهم امتياز الردع والسيادة المطلقة.
القنبلة النووية فى طهران لم تعد حلم شعب أو شعار ثورة، بل غدت عقيدة راسخة تضمن البقاء لنظام آيات الله، ولهم فى كوريا الشمالية وباكستان أسوة حسنة، فالأمان لا يمنح للضعفاء، بل ينتزع بقوة الردع.

ويبقى الكيان الصهيونى برميل البارود المشتعل، الساعى بكل نفوذه وقوته إلى تفجير مذكرة التفاهم، عبر جر المنطقة إلى دوامات من التصعيد. فى إطار حرص نتنياهو على إبقاء الشرق الأوسط فى حالة اشتعال دائم، إذ يدرك أن انطفاء نيران الحرب قد يفتح أمام رئيس الوزراء «الفاسد» أبواب السجن. ولذلك قد لا يتردد، إذا فشل فى إشعال الحرب الإيرانية - الأمريكية، فى إعادة فتح جبهة غزة أو إشعال جبهة الضفة الغربية بتصعيد محسوب. فتل أبيب تدرك أن أى تقارب أمريكى - إيرانى، ولو محدودًا، يهدد بإعادة رسم موازين القوى بما لا يخدم رؤيتها، ولذلك ستواصل توظيف ملف التصعيد فى لبنان والضربات النوعية والاستفزازات لإبقاء نار التوتر مشتعلة.

ومع ذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس النصر الحاسم لأحد الطرفين ولا التسوية الكبرى، بل سيناريو المنطقة الرمادية الأبدية حروب ظل، تصعيد منضبط تعقبه تهدئة هشة، حالة من «اللا حرب واللا سلم»، ومواجهات دورية بين أطراف لا تبحث عن سلام، بل عن إدارة صراع. إيران ستواصل حفر أنفاق نفوذها، وإسرائيل ستواصل قصفها، والولايات المتحدة ستظل تراقب البوصلة، متأكدة أن الفوضى فى الشرق الأوسط لا تقدم هدية مجانية لمنافسيها الصين وروسيا.

هكذا تظل فصول الصراع الأمريكى الإسرائيلى الإيرانى تكتب بلا نهايات، فى انتظار الفصل التالى.