خيوط الحلم النووى

الرئيس السيسى - أول اتفاقية للطاقة النووية مع الاتحاد السوفييتى (السابق)
الرئيس السيسى - أول اتفاقية للطاقة النووية مع الاتحاد السوفييتى (السابق)


 

ملفات الطاقة والكهرباء مليئة بالكثير من أحلام المصريين التى تحولت إلى حقيقة. واحد من تلك الأحلام بدا على مدار عقود وكأنه خيال عصى على التنفيذ.. لكن ها هو الخيال يتحدث عن نفسه على بعد نحو 300 كيلومتر من القاهرة، وتحديدًا فى مدينة الضبعة فى محافظة مرسى مطروح على ساحل مصر الشمالى..

خيوط الحلم الأولى تعود إلى عام 1956 فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حين تم توقيع أول اتفاقية للطاقة النووية مع الاتحاد السوفييتى (السابق).

كانت هذه نقطة إطلاق «هيئة الطاقة الذرية» فى مصر عام 1957، وبعدها أصبحت مصر عضوًا مؤسسًا فى «الوكالة الدولية للطاقة النووية» التابعة لمنظمة الأمم المتحدة.
 

محطة الضبعة النووية التى آمن بها المصريون، وحولها الرئيس إلى أمر واقع، هى أحد أهم عناصر «رؤية مصر 2030»
 

وفى عام 1961، أصبح لدى مصر والمصريين أول مفاعل نووى للأبحاث والتدريب، ومعمل لإنتاج النظائر المشعة وعدد من الأجهزة النووية المحدودة للاستخدامات السلمية فى منطقة إنشاص فى الشرقية.

وفى عام 1963، أقامت مصر «مركز الشرق الأوسط الإقليمى للنظائر المشعة للدول العربية»، وذلك بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفى العام التالى، طرحت مصر مناقصة عالمية لتوريد الطاق النووية لتوليد الكهرباء فى منطقة سيدى كرير فى الساحل الشمالى الغربى، لكن المشروع توقف عند نشوب حرب يونيو عام 1967.

وفى عام 1975، وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على تزويد مصر بمفاعلات الطاقة النووية. وتم الاتفاق بالفعل مع الرئيس الأمريكى الراحل ريتشارد نيكسون على إنشاء مفاعل نووى لتوليد الكهرباء بقدرة 1300 ميجاوات.

ووقعت مصر الاتفاقات اللازمة بمشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أنه فى عهد الرئيس الأمريكى الراحل جيمى كارتر تم إضافة بند يقضى بتفتيش أمريكا على المنشآت النووية فى مصر، وهو ما رفضته مصر، معتبرة ذلك تدخلا فى شئونها.

عراقيل على الطريق

وقبل اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات، أصدر قرارًا جمهوريًا بتخصيص منطقة صحراوية فى الضبعة، لتكون موقعًا لإقامة المحطة النووية، لكن بقى المشروع حلمًا لم يتحقق.

واستمر الحلم عنيدًا.. فبين عامى 1999 و2001، أجريت دراسة جدوى فى هذا الشأن، وتم تحديثها فى عام 2002. وفى عام 2007، اتخذت مصر قرارًا استراتيجيًا ينص على بناء عدد من المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء.

وفى عام 2008، تم توقيع اتفاقية بين مصر وروسيا خاصة بالتعاون فى مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية.

وفى عام 2009، وقعت «هيئة المحطات النووية» عقدا للحصول على الخدمات الاستشارية الفنية مع شركة «وورلى بارسونز» المتخصصة فى استشارات وتصميم مشروعات الطاقة، لكن تم تأجيل المشروع بأكمله بعد ذلك.

ما تعثر على مدار 57 عاما تبلور فى تسعة أعوام. إنها المعجزة المصرية تطل من جديد. الرئيس يقررها ويدعمها، والمصريون يعملون ويشهدون عصرا جديدا اسمه «عصر الطاقة النووية»..

بلغة تقنية، يهدف مشروع الضبعة للطاقة النووية إلى بناء أربع وحدات من مفاعلات الماء المضغوط PWR VVER-120 (AES-2006) وهى أكثر أنواع المفاعلات شيوعا فى العالم من الطراز الروسى بقدرة 1200 ميجاوات لكل وحدة.

الحلم حقيقة فى الضبعة

حلم الضبعة النووى المتحول حقيقة ليس عن 4800 ميجاوات.. هذا هو الجزء الأخير فى الحلم. أما الحلم الآخذ فى التبلور، فهو علم نووي، وإضافة لقدراتنا فى التعامل مع الطاقة النووية السلمية، والوقود النووى، والتكنولوجيا والمقاييس النووية، من حيث المكان والإخلاء وتقديرات الزلازل والرياح والبناء والتركيب وغيرها. إنه حلم الثقافة والمعرفة والطاقة النووية السلمية.

مجموع القدرات يصب فى صالح الطاقة المتجددة التى لا يمكن أن تعمل بدون مشروع الضبعة. الطاقات الجديدة تحتاج توربينات ثابتة بقدرات كبيرة. هذه القدرات حين تنضم إلى الشبكة تعنى عمل خطوط نقل لهذه القدرات لأماكن الأحمال، وإنشاء محطات محولات، وعوازل وأبراج ومجموعة متكاملة قادرة على توصيل القدرات لكل مكان.

الحلم النووى المصرى آخذ فى التبلور. وفى تسع سنوات عوضت مصر ما تأخر أو تعثر أو تأجل على مدار ما يقرب من خمسة عقود. تواترت الخطوات منذ عام 2014: توقيع اتفاقيات بين مصر وروسيا، إبرام عقود الهندسة والتوريد والبناء مع شركة «روس أتوم»، توقيع إشعار البدء الذى يعد البداية الرسمية لبناء أول محطة طاقة نووية سلمية فى مصر، الانتهاء من أعمال المسح الهندسى والتصميم المبدئى، إصدار إذن قبول اختيار موقع الضبعة، البدء فى تشييد الرصيف البحرى، بدء أعمال البنية التحتية والأعمال غير النووية فى المشروع، الموافقة على البدء فى تصنيع صاعد قلب المفاعل، الانتهاء من أعمال الصبة الخرسانية الأولى للوحدة النووية الأولى، ثم الثانية، الانتهاء من الصبة الخرسانية الأولى للوحدة الثالثة، إطلاق الصبة الخرسانية الأولى للوحدة الرابعة، وكانت بمثابة بداية مرحلة الإنشاءات الكبرى لكل الوحدات الخرسانية فى المحطة.

الطاقة النووية ضمان ومستقبل وسياسة

ويكفى أن القدرات الحالية فى مصر فى شأن الطاقة النووية السلمية اليوم، هى ضعف ما كان موجودا حتى سنوات قليلة مضت. وبدون التوربينات الجديدة، وبدون مشروع الضبعة، لما استطاعت مصر أن تحقق أهدافها فى ملف الطاقة الجديدة والمتجددة، وهو ملف الحاضر والمستقبل.

قرار المضى قدمًا فى محطة الضبعة لم يكن فقط قرارًا يتعلق بالطاقة، أو الاستثمار فى الغد، أو دعم الاقتصاد، ولكنه أيضًا كان قرارًا سياسيًا حكيمًا فى توقيت بالغ الأهمية والحساسية. اتخذ الرئيس القرار، وأثبتت مجريات العالم أنه كان القرار الصحيح فى الوقت المناسب..

تفجر أزمة الطاقة فى العالم، واندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وغيرها من الأزمات فى العالم وفى الإقليم أدت إلى أن الدول التى كانت تعتمد على الغاز كمصدر للطاقة، وتلك التى كان لديها محطات نووية لتوليد الطاقة وأغلقتها، تحاول إعادتها، وغيرها من الدول التى لديها موارد من البترول والغاز تقبل كذلك على إعادة تشغيل أو إنشاء محطات طاقة نووية، بما فيها بعض الدول العربية.

محطة الضبعة النووية تلتزم بأقصى درجات السلامة والأمان. كما أنه تم اختيار أكثر أنواع المفاعلات أمنًا، دون النظر إلى فرق التكلفة بينه وبين غيره. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المشروع يتضمن إتاحة الخدمات المتصلة بالمحطة تضمن استمرار المفاعل لمدة 50-60 عامًا.

قطعت مصر شوطا كبيرا مع الشركة المنفذة فى إنجاز جانب معتبر من المحطة، والأمل معقود على الانتهاء منه مع حلول عام 2029.

رؤية 2030

محطة الضبعة النووية التى آمن بها المصريون، وحولها الرئيس إلى أمر واقع، هى أحد أهم عناصر «رؤية مصر 2030».

رؤية مصر والمصريين 2030 تنص على أنه بحلول عام 2030، سيكون قطاع الطاقة قادرًا على تلبية كل متطلبات التنمية المستدامة من موارد الطاقة، وتعظيم الاستفادة الكفء من مصادرها المتنوعة، سواء كانت تقليدية أو متجددة..

وهذا من شأنه أن يسهم بفاعلية فى دفع الاقتصاد والتنافسية الوطنية، ويدعم العدالة الاجتماعية، ويدعم الابتكار، ويتنبأ ويتأقلم مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، ويحافظ على البيئة، وفى الوقت نفسه، يحقق ريادة فى مجالات الإدارة الرشيدة والمستدامة للموارد، بالإضافة إلى كل ما يتعلق بمجالات الطاقة المتجددة.

الرئيس السيسى أيقن منذ وقت مبكر أن الطاقة المتجددة مفتاح لحلول الكثير من المشكلات، ناهيك عن كونها ضامنا لمستقبل أخضر، وحاضر أفضل. أدرك الرئيس مبكرا أن الحاجة أصبحت ماسة لزيادة مشاركة الطاقة المتجددة فى «مزيج الطاقة المصري»، وإدخال الهيدروجين الأخضر فى هذا المزيج.

محطة الضبعة النووية، ومعها البنى التحتية التاريخية التى تم تدشينها والانتهاء من أغلبها فى قطاع الكهرباء والطاقة، مع دوام الصيانة والتحديث، جميعها يسهم فى الانتقال إلى قطاع الطاقة الجديدة والمتجددة.. إنه القطاع الذى يساعد فى تدشين مشروعات فى هذا المجال.

الطاقة المتجددة

الطاقة الشمسية موجودة لفترات معينة.. طاقة الرياح موجودة أيضا فى أوقات محددة، وأحيانا تكون الرياح عاتية فى يوم ما، ثم تهدأ تمامًا فى اليوم التالي. العنصر القادر على استدامة هذا النوع من الطاقة هى المحطات القوية، كتلك التى نفذتها مصر بالتعاون مع شركة «سيمنس»، حيث السعة الكبيرة والقدرة على استيعاب الأحمال.

القدرات المركبة الحالية من الطاقة المتجددة موزعة بين طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، وبطاريات التخزين، والمصادر المائية بإجمالى 9166 ميجاوات. أما إجمالى القدرات المضافة من الطاقات المتجددة المتعاقد عليها عام 2026، فتبلغ 2200 بالإضافة إلى 1420 ميجاوات / ساعة.

وحتى يعلم المصريون ماذا طرأ على قطاع الطاقة والكهرباء، فإن إجراءات عدة تتخذ من أجل تحفيز الاستثمار فى الطاقات المتجددة، من تخصيص أراض لإقامة مشروعات توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة، وتوفير المعلومات للمستثمرين عبر أطلس الرياح وأطلس الشمس المصري، بالإضافة إلى دراسة التأثير البيئي، وإبرام اتفاقات شراء الطاقة طويلة الأجل، والإعفاءات الجمركية لبعض مهمات الطاقة، وإصدار الضمانة السيادية.

يدرك الرئيس أن كفاءة المشروعات واستدامتها على نفس قدر أهمية المشروع نفسه، لذلك فإنه جارٍ توطين الصناعة لمهمات الكهرباء والطاقة الجديدة والمتجددة، حيث زيادة عدد المصانع القائمة لدعم المنتج المحلي، والتنسيق مع الهيئة العربية للتصنيع لإنتاج واحد جيجاوات من الخلايا الشمسية، وكذلك مع كبرى الشركات الصينية لتوطين صناعة توربينات الرياح، وشركات أخرى تعمل فى تصنيع بطاريات التخزين لتوطين الصناعة فى مصر.

وضمن مشروعات الطاقة الشمسية القائمة: محطات الخلايا الفوتوفولطية (أبيدوس) بقدرة 500 ميجاوات وإجمالى استثمارات 440 مليون دولار، ومحطات الرياح بقدرة 500 ميجاوات بإجمالى استثمارات 700 مليون دولار، ومجمع بنبان للطاقة الشمسية فى أسوان، وهو أكبر محطة طاقة شمسية فى مكان واحد فى إفريقيا والشرق الأوسط.

وفى عام 2019، فاز «مجمع بنبان للطاقة الشمسية» بجائزة أفضل مشروع من البنك الدولى. وفى 2020، فاز المجمع بجائزة التميز الحكومى العربى. كما فاز بجائزة أفضل مشروع حكومى عربى لتطوير البنية التحتية على المستوى العربى من جامعة الدول العربية.

مصر تستعد وتواكب

تغيرات داخلية وخارجية متعلقة بالطاقة والتغيرات الاقتصادية طرأت على الساحة فى السنوات القليلة الماضية، ومصر تتابع وتستعد وتواكب. وفى الوقت نفسه، ظهرت تكنولوجيات جديدة على الساحة..

وتم استبعاد خيار طاقة الفحم من المعادلة. وأضيف إلى ذلك، التوجهات العالمية بشأن تغير المناخ، والاقتصاد الأخضر، مع انخفاض أسعار تكنولوجيات الطاقات المتجددة..

ولأن ضمان كفاءة العمل وواقعية الخطط، تم تحديث استراتيجية الطاقة المتكاملة والمستدامة حتى عام 2040، مع إخضاعها للمتابعة، والتدقيق، والتحديث المستمر. والاستراتيجية متاحة لاطلاع المصريين على المواقع الرسمية.

المواثيق الدولية لا تنص على الحق فى الكهرباء، لكنه حق متضمن فى كل الحقوق الرئيسية من تعليم وسكن وصحة وهواء نظيف وغيرها. والرئيس يعى ذلك، ويعمل-ضمن منظومة ضخمة تشمل كل ملفات مصر والمصريين-على ضمان هذا الحق، واستدامته، وتحسينه، والارتقاء به.

الأمثلة كثيرة، والعمل مستمر، والطاقة متجددة، سواء من أجل الوقود أو من أجل الاستمرار فى العمل المضىء.