يطرح «جولز بويكوف»، فى كتابه (كارت أحمر: كأس العالم 2026 وغسيل الرياضة وآلة جشع الفيفا)، سؤالًا كاشفًا: ماذا لو كانت هناك قصة أخرى تدور بالتوازى مع هذا الحدث المُثير؟
ماذا لو أن خلف الأضواء الكاشفة وصفقات البث التليفزيونى وحفلات الافتتاح المبهرة، توجد شبكة مُعقَّدة من المصالح السياسية والاقتصادية؟!
ماذا لو أن البطولة التى يتابعها العالم بشغف، أصبحت أيضًا منصة لتلميع الصور السياسية، وإعادة تشكيل النفوذ العالمي، وتحقيق أرباح هائلة لا يستفيد منها الجميع بالقدر نفسه؟! ..
وهذه الأيام يصحو العالم وينام على «كورة فى كورة»، وليس على «حب فى حب» كما تشدو شادية، 104 مباريات فى كأس العالم 2026، معناها أن يقتطع المشجع ما يعادل 7 أيام من وقته طوال شهر البطولة، إذا أراد أن يتابع كل مبارياتها، كيف لا والشغف بالساحرة المستديرة يعم الدنيا كلها ولا يفرِّق بين طفل بقرية إفريقية، يضع حجرين ليرسم حدود مرماه ويلعب الكرة الشراب، وبين صناعة عالمية تتصارع فيها كبرى الشركات المتعددة الجنسيات على حقوق البث والرعاية، كرة القدم أيضًا اللغة المشتركة التى تجمع الغرباء فى المقاهى والأندية والحدائق العامة وساحات التشجيع.
كرة القدم لم تعد مجرد لعبة شعبية بل صناعة عالمية بمليارات الدولارات
الكتاب يطرح سؤالًا بسيطًا: هل يمكن أن تظل الرياضة مساحة للمتعة والعدالة والتنافس النزيه حين تصبح رهينة حسابات النفوذ والربح؟
هل تستطيع الإمبراطورية الكروية أن تتصالح مع مطالب الشفافية والمحاسبة أم تواصل الركض بسرعة أكبر من قدرة مؤسساتها على الإصلاح؟
مفهوم «تبييض السمعة عبر الرياضة» مصطلح بات يتردد كثيرًا، ويشير لاستغلال الأحداث الرياضية الكبرى لتحسين صورة دول أو مؤسسات
ما يحمله الكتاب: ليس المطلوب أن نختار بين حب كرة القدم ونقدها، بل أن نمارس الأمرين معًا، أن نهتف للهدف الجميل، وأن نسأل أيضًا عن العالم الذى يجعل من هذا الهدف حدثًا عالميًا تتقاطع عنده أحلام البسطاء مع حسابات أصحاب النفوذ، فالكرة فى النهاية، ليست مجرد لعبة، مرآة لعصرنا بكل ما فيه من شغف وتناقضات، من براءة المشجعين البسطاء ومصالح حيتان البزنس.
يبدأ الكتاب من نقطة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الملاعب: مفهوم «تبييض السمعة عبر الرياضة» وهو مصطلح بات يتردد كثيرًا مؤخرًا، ويشير لاستغلال الأحداث الرياضية الكبرى لتحسين صورة دول أو مؤسسات أو أنظمة سياسية، أو لصرف الانتباه عن انتقادات تتعلق بحقوق الإنسان أو الفساد.
لحظة فارقة
بالنسبة «لبويكوف»، فإن كأس العالم 2026، يمثل لحظة فارقة تستحق التوقف عندها، البطولة التى تستضيفها أمريكا وكندا والمكسيك للمرة الأولى بصيغتها الموسَّعة، وتشهد لأول مرة مشاركة 48 منتخبًا تبدو فى نظر عشاق الكرة احتفالًا عالميًا، لكنها فى نظر المؤلف أيضًا فرصة لطرح أسئلة صعبة: مَن يستفيد من هذه التوسعة ويدفع كلفتها؟ وما الذى يحدث عندما تصبح كرة القدم مشروعًا اقتصاديًا وسياسيًا عابرًا للحدود؟
هذه الأسئلة لا تقلل من جمال اللعبة، لكنها تضعها فى سياقها الواقعي، فمن السهل أن نهتف للاعب يسجل هدفًا فى الدقيقة الأخيرة، لكن من الأصعب أن نتساءل عن السياسات التى أدت لبناء الملعب الذى شهد الهدف أو عن المجتمعات التى تحمَّلت أعباء تنظيم البطولة، أوعن طبيعة القرارات التى اتخذت بعيدًا عن أعين الجماهير.
لقد تغيرت كرة القدم خلال العقود الأخيرة، ولم تعد لعبة شعبية نشأت بالأحياء الفقيرة والمدارس والجامعات، بل أصبحت صناعة عالمية بمليارات الدولارات، تتقاطع فيها مصالح الحكومات والشركات العملاقة وشبكات الإعلام.
وأصبح اللاعبون أنفسهم علامات تجارية عالمية، بينما تحوّلت الأندية والاتحادات لمؤسسات اقتصادية ضخمة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، يُثير كتاب «كارت أحمر»، اهتمامًا واسعًا لأنه لا يهاجم كرة القدم بوصفها لعبة، بل يحاول أن يفهم ما تحولت إليه لتصبح بيزنس، إنه يطرح سؤالًا بسيطًا فى ظاهره، عميقًا فى جوهره: هل يمكن أن تظل الرياضة مساحة للمتعة والعدالة والتنافس النزيه حين تصبح رهينة حسابات النفوذ والربح؟
من الإنصاف القول إن المؤلف لا يقدم الحقيقة المطلقة، بعض القُرَّاء سيرون فيما يطرحه كتابه قدرًا من التشدد، وربما يعتقد آخرون أنه يقلل من الفوائد الاقتصادية والثقافية التى تجلبها البطولات الكبرى للدول المضيفة، لكن قيمة الكتاب تكمن فى رفضه الاكتفاء بالرواية الرسمية، ويدعو لتوسيع دائرة النقاش العام.
رسائل المستطيل الأخضر
قبل سنوات قليلة، كان مصطلح «غسيل الرياضة»، حكرًا على دوائر أكاديمية ضيقة، يتداوله باحثون متخصصون فى علم الاجتماع السياسى والرياضة، أما اليوم، فقد أصبح جزءًا من القاموس الإعلامى العالمي، نقرأه فى الصحف، ونسمعه فى البرامج الحوارية، ونجده حاضرًا فى كل نقاش يتعلق باستضافة بطولة كبرى أو شراء نادٍ جماهيرى أو تنظيم حدث رياضى ضخم، لكن ما الذى يعنيه هذا المصطلح تحديدًا؟ ببساطة، يشير «غسيل الرياضة» إلى استخدامها بما تمتلكه من جاذبية شعبية وتأثير عاطفى واسع لتحسين الصورة العامة لدولة أو مؤسسة أو جهة ما، أو لصرف الأنظار عن انتقادات تتعلق بالسياسات الداخلية أو حقوق الإنسان أو الفساد، وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة: المصطلح نفسه ليس حقيقة قانونية أو توصيفًا محايدًا متفقًا عليه عالميًا، بل إطار تحليلى يستخدمه باحثون وصحفيون ونشطاء لفهم العلاقة المتشابكة بين الرياضة والسلطة، ولذلك، فإن توظيفه يظل محل نقاش واختلاف، غير أن الاختلاف حول المصطلح لا يلغى حقيقة أكثر وضوحًا: الرياضة أصبحت قوة ناعمة من الطراز الأول.
منذ أن أدركت الدول أن صورة العلم المرفوع فوق منصة التتويج قد تكون أكثر تأثيرًا من خطابات السياسيين، بدأ الاستثمار السياسى فى الرياضة يأخذ أشكالًا متعددة، استضافة دورة أولمبية، تنظيم بطولة قارية، تشييد ملاعب حديثة، كلها باتت وسائل لتوجيه رسائل تتجاوز حدود الملعب، ولعل ما يجعل كرة القدم تحديدًا أكثر حساسية فى هذا السياق، هو أنها الرياضة الأكثر شعبية على وجه الأرض، فنهائى كأس العالم لا يشبه أى حدث آخر، مئات الملايين يتابعونه فى اللحظة نفسها، إنه حدث كوني، تتجه إليه كاميرات الكون كله.
ولذلك، يسأل الكتاب: ماذا يحدث عندما تتحوّل هذه اللحظة الكونية لمنصة لتسويق روايات سياسية معينة؟ لا يكتفى المؤلف بطرح السؤال، بل يعود للتاريخ ليشير إلى أن العلاقة بين الرياضة والسياسة ليست جديدة، فالألعاب الأوليمبية استُخدمت مرارًا لإظهار القوة الوطنية، والمباريات الدولية كثيرًا ما تحوّلت لامتداد رمزى لصراعات سياسية، (فوز إيران على أمريكا2/1 بمونديال 1998 بفرنسا)، الجديد فى رأيه هو حجم الأموال المتداولة، واتساع النفوذ الإعلامي، وتحوّل الرياضة لصناعة عالمية عملاقة تتجاوز بكثير حدود المنافسة الرياضية، خذ على سبيل المثال حقوق البث التليفزيوني، قبل عقود، كانت المباريات تُشاهد محليًا أو إقليميًا.
أما اليوم، فإن بطولة واحدة قادرة على جذب شركات إعلامية عملاقة، وإبرام عقود بمليارات الدولارات، وتحقيق أرباح هائلة من الإعلانات والرعاية.
وفى هذا المشهد، لا تصبح الرياضة مجرد لعبة، بل منتج عالمى عالى القيمة، ولأن المنتجات تحتاج إلى تسويق، تصبح الصورة عنصرًا أساسيًا فى المعادلة، الصورة هنا ليست صورة اللاعب وهو يحتفل بهدفه فقط، بل صورة الدولة المضيفة وهى تستقبل الجماهير، وصورة المدن الحديثة، لكن هل يعنى ذلك أن كل دولة تستضيف بطولة كبرى تمارس «غسيلًا رياضيًا»؟ الإجابة ليست بهذه البساطة، هناك مَن يرى أن استضافة الأحداث الرياضية تمثل فرصة حقيقية للتنمية وتحسين البنية التحتية وتعزيز السياحة وبناء جسور بين الشعوب، وهناك مَن يعتقد أن التركيز المفرط على الانتقادات يتجاهل المنافع الاقتصادية والاجتماعية التى قد تحققها البطولات، فى المقابل، يرى آخرون أن البريق الإعلامى قد يخفى أحيانًا أسئلة مشروعة حول الكُلفة الاقتصادية، وأولويات الإنفاق، وحقوق العمال، وحرية التعبير، وطبيعة القرارات التى تُتخذ.
مسئولية المُشجعين
لا يدعو المؤلف فى كتابه لمقاطعة كرة القدم، بل يدعو لما يمكن وصفه بـ«المواطنة الرياضية الواعية»، بين هذين الموقفين يتحرك باِسم المصلحة الوطنية أى:
أن نشاهد المباراة ونستمتع بها، لكن دون أن نتوقف عن طرح الأسئلة، مَن بنى هذه الملاعب؟ مَن مَوَّلها؟ مَن استفاد منها؟ ومَن تحمل تكلفتها؟ قد تبدو هذه الأسئلة مزعجة لعشاق اللعبة الذين يريدون الاستمتاع بها بعيدًا عن السياسة، لكنها فى نظر المؤلف جزءٌ من المسئولية الأخلاقية للمشجع المعاصر، وربما تكمن المفارقة الكبرى هنا فى أن أكثر الناس تعلّقًا بكرة القدم هم أيضًا الأكثر حرصًا على حمايتها من أى تشوهات قد تصيبها، فالمشجع الذى يبكى فرحًا بانتصار منتخب بلاده، هو نفسه الذى قد يغضب إذا شعر بأن اللعبة التى أحبها أصبحت رهينة لمصالح لا علاقة لها بروح الرياضة، لقد نجحت كرة القدم عبر تاريخها فى تجاوز الحروب والأزمات والانقسامات، كانت لغة مشتركة بين الفقراء والأغنياء، بين الشمال والجنوب، بين أطفال الأحياء الشعبية ونجوم الشاشات، لكن نجاحها نفسه جعلها هدفًا مغريًا لكل مَن يسعى للنفوذ أو الربح أو التأثير، وهنا يطرح كتاب «كارت أحمر»، سؤالًا لا يخص بطولة بعينها ولا دولة بعينها، بل يتعلق بمستقبل اللعبة ذاتها: هل تستطيع كرة القدم أن تحافظ على روحها الإنسانية فى عصر أصبحت فيه كل دقيقة بث، وكل إعلان، وكل صورة، جزءًا من اقتصاد عالمى هائل؟ ربما لا توجد إجابة سهلة، لكن المؤكد أن الجماهير لم يعودوا مجرد متفرجين صامتين.
ما الفيفا اليوم؟
الكتاب لا يخفى موقفه من الفيفا، فمنذ الصفحات الأولى لكتابه، يتعامل معها ليس فقط كهيئة رياضية تنظم البطولات، بل كقوة اقتصادية وسياسية عابرة للحدود، تمتلك قدرة استثنائية على التأثير فى الحكومات، وعند التفاوض مع المدن والدول، وتفرض شروطها بوصفها الطرف الأقوى فى معادلة تستند لجاذبية كرة القدم للجماهير، ولكى نفهم طبيعة هذا النفوذ، ربما ينبغى أن نبدأ من سؤال بسيط: ما الفيفا اليوم؟
من الناحية الرسمية هى منظمة لا تهدف للربح تأسست عام 1904 بهدف تنظيم اللعبة وتطويرها عالميًا، لكن الواقع يقول إنها تدير شبكة مالية ضخمة ترتبط بحقوق البث التليفزيوني، وعقود الرعاية، والتسويق، وبيع التذاكر، ومنتجات العلامات التجارية المرتبطة بالبطولة، لقد أصبح كأس العالم، بمرور الزمن، «المنتج» الأكثر قيمة لدى الفيفا، وكل نسخة جديدة من البطولة تعنى عوائد مالية هائلة، واهتمامًا إعلاميًا غير مسبوق، ونفوذًا يتجاوز كثيرًا حدود الرياضة، ويطرح الكتاب سؤالًا شائكا: عندما تصبح المؤسسة الرياضية مسئولة عن إدارة مليارات الدولارات، هل يمكن أن تظل بمنأى عن منطق السوق، وضغوط السياسة، وإغراءات النفوذ؟
الإجابة التى يقدمها واضحة: لا، لكن القصة لا تبدأ هنا، فخلال العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين، واجهت الفيفا واحدة من أكبر الأزمات فى تاريخها، بعدما كشفت تحقيقات أمريكية وسويسرية عن شبهات فساد ورشاوى مرتبطة بحقوق التسويق والبث أسفرت عن حبس مسئولين كبار وفتح ملفات ظلت لسنوات محاطة بالسرية، بالنسبة لكثيرين، لم تكن تلك الفضائح مجرد حادثة عابرة، بل لحظة كاشفة لطبيعة النظام الإدارى الذى سمح بتراكم النفوذ فى أيدى عدد محدود من المسئولين، وسط ضعف آليات الرقابة والمساءلة، ورغم الإصلاحات التى أعلنتها المؤسسة لاحقًا، فإن الشكوك لم تختف تمامًا.
الفيفا والدول المُستضيفة
ما يثير اهتمام الكاتب ليس فقط ملفات الفساد، بل الفلسفة التى تحكم العلاقة بين الفيفا والدول المضيفة، فكلما رغبت دولة ما فى استضافة كأس العالم، تجد نفسها أمام قائمة طويلة من المتطلبات التنظيمية والأمنية واللوجستية، من ملاعب بمواصفات معينة، وبنية تحتية متطورة، وقدرات استيعابية ضخمة وإجراءات أمنية معقَّدة.
وغالبًا ما تتحمل الحكومات الجزء الأكبر من هذه التكاليف، على أساس أن البطولة ستجلب لها مكاسب اقتصادية وسياحية وترويجية تعوض ما أنفقته، لكن هل يحدث ذلك دائمًا؟،
هناك دراسات تؤكد أن البطولات الكبرى قد تساهم فى تحسين البنية الأساسية وتعزيز الاستثمار وزيادة التدفقات السياحية، وهناك دراسات أخرى تؤكد أن التقديرات المتفائلة للعوائد الاقتصادية كثيرًا ما تكون مبالغًا فيها، وأن بعض المدن تتحمل أعباء مالية طويلة الأمد أكثر كسبته، ولا يزعم الكتاب أن هناك قاعدة واحدة تنطبق على الجميع، لكنه يطالب بمزيد من الشفافية، فحين تُنفق الأموال العامة على مشاريع مرتبطة بحدث رياضي، يصبح من حق المواطنين أن يعرفوا تفاصيل الكُلفة والعائد.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه فى الكتاب هو الطريقة التى يصور بها الفيفا باعتبارها «إمبراطورية بلا حدود» بلا جيش، لكنها تمتلك جمهورًا يفوق عدد سكان معظم دول العالم، ولا تصدر قوانين ملزمة للدول، لكنها تستطيع فرض شروط تعاقدية تجعل الحكومات تتكيف مع متطلباتها.
إنها سلطة مختلفة عن السلطة التقليدية، سلطة تقوم على الرغبة الجماهيرية العارمة فى استضافة الحدث الأكثر شعبية على وجه الأرض، ولعل المفارقة أن هذه القوة لا يمكن أن توجد دون الجماهير نفسها، فالمشجع الذى يشترى التذكرة، أو يدفع اشتراك البث، أو يقتنى قميص المنتخب، جزء من المنظومة الاقتصادية التى تمنح البطولة قيمتها الهائلة، الا أن الكاتب يرفض تصوير الجماهير بوصفهم ضحايا سلبيين، فهو يرى أن المشجعين أصبحوا أكثر قدرة على التأثير مما كان عليه الحال فى الماضي، لقد شهدنا، خلال السنوات الأخيرة، حملات جماهيرية طالبت بمزيد من الشفافية، وانتقدت بعض القرارات المثيرة للجدل، ودافعت عن قضايا اجتماعية وحقوقية داخل فضاء كرة القدم نفسه، بمعنى آخر، لم يعد المشجع مجرد مستهلك للفرجة، بل أصبح فاعلًا قادرًا على تشكيل النقاش العام حول اللعبة.
هل الإصلاح مُمكن؟
يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يمكن إصلاح مؤسسة بحجم الفيفا؟ المتفائلون يقولون نعم، ويشيرون إلى الإصلاحات الإدارية التى أُعلنت، ويطالبون بازدياد الرقابة الإعلامية، وتوالى الضغط الجماهيري، ويرون أن تطور الحوكمة داخل المؤسسات الرياضية أمر ممكن وإن كان بطيئًا.
أما المتشائمون، فيعتقدون أن تضخم المصالح المالية يجعل أى إصلاح جذري، مهمة شديدة الصعوبة، وأن النظام الحالى سيظل يُعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، وبين التفاؤل والتشاؤم، يختار «بويكوف»، موقعًا أقرب للتحذير، إنه لا يعلن موت اللعبة، ولا يدعو لهدم مؤسساتها، بل يوجِّه دعوة لليقظة، فكلما ازدادت قوة المؤسسات الرياضية، ازدادت الحاجة لمساءلتها، وكلما تضخمت الأرباح، ازدادت أهمية الشفافية، وكلما اتسعت شعبية كرة القدم، أصبح الدفاع عن قيمها الأساسية مسئولية جماعية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الإمبراطورية الكروية الأكبر فى التاريخ أن تتصالح مع مطالب الشفافية والمحاسبة، أم أن اللعبة ستواصل الركض بسرعة أكبر من قدرة مؤسساتها على الإصلاح؟
«دمقرطة» اللعبة:
ولا ينسى الكتاب، تناول التطور الجديد فى مونديال 2026، وهو زيادة عدد المنتخبات لـ 48 منتخبًا، فالمزيد من المنتخبات يعنى مزيدًا من الأحلام، دول لم تكن تحلم بالتأهل أصبحت ترى نافذة مفتوحة أمامها، جماهير جديدة ستجرب نشوة المشاركة، وأسواق جديدة ستدخل بقوة للمشهد الكروى العالمي، إنها، بحسب الخطاب الرسمي، خطوة نحو «دمقرطة» اللعبة وتوسيع قاعدة المشاركة فيها.
لكن «بويكوف» يدعو للنظر لما وراء هذا الحلم الجميل بطرح السؤال: مَن المستفيد الحقيقى من توسيع البطولة؟ هل الهدف منح الفرصة للدول الصغيرة فقط؟ أم أن هناك حسابات اقتصادية وتجارية لا تقل أهمية عن الشعارات الرياضية؟
السؤال يبدو مشروعًا إذا ما تأملنا حجم التحوّلات التى ترافق النسخة الجديدة، فزيادة عدد المباريات تعنى زيادة أيام البث التليفزيوني، وتعنى مزيدًا من الإعلانات والراعيات وحقوق النقل، أى مزيدًا من الإيرادات، ليست هذه جريمة بالطبع، فالرياضة الحديثة أصبحت صناعة عالمية، ومن الطبيعى أن تبحث المؤسسات عن مصادر تمويل إضافية. لكن المشكلة ــ كما يرى ــ تبدأ عندما تصبح اعتبارات النمو المالى المحرك الأساسى للقرارات الرياضية، فهل يخدم القرار اللعبة؟ أم يخدم الميزانية؟ هذا هو السؤال الذى يتردد كثيرًا بين سطور الكتاب.
تناقضات الدولة المُستضيفة
يركز الكتاب أيضًا على خصوصية الدول المضيفة الثلاث نفسها: أمريكا.. القوة الاقتصادية الأكبر عالميًا، والتى تمتلك خبرة تنظيمية ضخمة وبنية تحتية متطورة، تدخل البطولة فى لحظة سياسية شديدة الحساسية، الحرب مع إيران والجدل حول الهجرة، والحدود، والانقسامات الاجتماعية، وقضايا العدالة العرقية، كلها ملفات مثيرة للجدل داخل أمريكا، أما المكسيك، فتسعى لتقديم صورة عما يشوهه الاعلام أحيانًا لصورتها، بتقديم تقارير عن العنف والجريمة المنظمة، فى حين أنها لازالت متمسكة بإرثها الكروى العريق، أما كندا فتبدو بالنسبة لكثيرين، الطرف الأقل إثارة للجدل سياسيًا، وإن كانت بدورها تواجه نقاشات داخلية تتعلق بالهوية والهجرة وحقوق السكان الأصليين.
هذه الخلفيات السياسية لا تعنى أن البطولة ستتحوّل لساحة صراع مباشر، لكنها تؤكد أن الرياضة لا تُقام فى فراغ.
فحين يصل ملايين المشجعين للمدن المستضيفة، لا يكتفون بمشاهدة المباريات، إنهم يرون الشوارع، ويتعاملون مع المؤسسات، ويُكوِّنون انطباعات عما يرونه، ومن هنا، تصبح البطولة فرصة لتقديم سردية وطنية معينة للعالم، فى هذا السياق تحديدًا، يتوقف المؤلف عند سؤال الحدود: كيف يمكن لبطولة تحتفى عالميًا بفكرة الانفتاح والتواصل بين الشعوب، أن تتعايش مع سياسات أمريكية للهجرة مثيرة للانقسام؟ كيف يمكن أن يُطلب من الجماهير الاحتفال بعالم بلا حواجز داخل الملاعب، بينما يستمر الجدال خارجها حول مَن يحق له العبور ومَن لا؟
لا يقدم الكتاب، إجابات جاهزة، لكنه يلفت الانتباه إلى أن هذه المفارقات قد تمر أحيانًا دون ملاحظة وسط صخب المباريات، ومن بين القضايا التى يناقشها أيضًا المؤلف، مسألة الأمن، بعد أن أصبحت البطولات الكبرى مناسبات تشهد إجراءات أمنية غير مسبوقة، كاميرات مراقبة، تقنيات للتعرف على الوجوه، قواعد صارمة للدخول والخروج، ويرى المدافعون عن هذه الإجراءات، أنها ضرورة لحماية الجماهير وضمان نجاح الحدث، أما المنتقدون، فيخشون أن تتحوّل هذه التدابير لأدوات دائمة للمراقبة تتجاوز الإطار الرياضي.
الكرة فقدت براءتها
هل تغيّرت كرة القدم فعلًا؟ أم أن ما تغيّر هو العالم مَن حولها؟ هناك حنين دائم للزمن الجميل، يتحدث المشجعون الأكبر سنًا عن أيام كانت الكرة أكثر براءة، حين كان اللاعب ينتمى لمدينته، وحين كانت قمصان الأندية لا تتحوّل إلى لوحات إعلانية متنقلة، وحين لم يكن وكلاء اللاعبين يتحكمون فى مصائر صفقات بمئات الملايين، لكن الحقيقة ربما تكون أكثر تعقيدًا، فالسياسة لم تكن غائبة عن الرياضة يومًا، والمال كان حاضرًا دائمًا بدرجات متفاوتة. والسلطة أدركت منذ وقت مبكر، القيمة الرمزية للانتصارات الرياضية، الجديد حجم الظاهرة وسرعتها.
لقد دخلت كرة القدم عصر العولمة الكاملة، اللاعب قد يولد فى قارة، ويلعب فى أخرى ويملك جمهورًا فى ثالثة. والمباراة التى تقام بمدينة ما، يشاهدها الملايين عبر الهواتف الذكية فى اللحظة نفسها، إنها، بمعنى ما، أول تجربة إنسانية مشتركة بهذا الاتساع العاطفي.
وفى هذا السياق، يبدو الكتاب كأنه يطرح سؤالًا وجوديًا: إلى أى مدى تستطيع كرة القدم أن تتوسع دون أن تفقد شيئًا من روحها؟ هل تصبح البطولة أفضل لمجرد أنها أكبر؟ هل تعنى زيادة عدد المباريات زيادة فى المتعة؟ هل يصبح النجاح المالى مرادفًا للنجاح الرياضي؟ ليست هناك إجابات سهلة، ربما كانت إحدى أهم فضائل هذا الكتاب أنه يُعيد الاعتبار لدور الصحافة نفسها، فالصحفى الرياضي، فى نظر كثيرين، ليس مجرد ناقل للنتائج والإحصاءات، إنه شاهد على عصره، ومن واجبه أن يروى الحكاية كاملة: جمال اللعبة، وظلالها أيضًا، أن يشيد بالمهارة، وأن يسأل عن السلطة، أن يصف الهدف الرائع، وأن يتتبع الطريق الطويل الذى أوصل الكرة للشباك وخلفه شبكة معقَّدة من المصالح والقرارات.
لكل ما تقدم، تأتى أهمية كتاب «كارت أحمر»، فليست قيمته فى أنه يقدم الحقيقة النهائية عن كأس العالم 2026، ولا فى أنه يملك الإجابات الحاسمة لكل الأسئلة المتعلقة بعلاقة الرياضة بالسلطة، بل فى أنه يزعج منطقة الراحة التى اعتدنا الجلوس فيها كمشجعين وقُرَّاء، بل يدعونا لأن نكون أكثر وعيًا، أن نحب اللعبة دون أن نقدِّس المؤسسات، أن نحتفى بالبطولات دون أن نتخلى عن حقنا فى التساؤل، أن نفرِّق بين الولع بكرة القدم، وبين منح حصانة مطلقة لمَن يديرونها، لقد عَلَّمتنا كرة القدم دروسًا كثيرة، عَلَّمتنا أن المستحيل أصبح ممكنًا، فالمنتخبات الصغيرة تستطيع إسقاط العمالقة.
الكتاب:
«Red Card: The 2026 World Cup, Sportswashing and the FIFA Greed Machine».

تقديم:
ديف زيرين
الناشر:
OR Books
يونيو 2026
المؤلف فى سطور:
«جولز بويكوف»، يُعد أحد أبرز الأصوات النقدية فى دراسة العلاقة بين الرياضة والسياسة، باعتباره أستاذ العلوم السياسية بجامعة باسيفيك بولاية أوريجون، ولا يتناول الكتابة من مربع العداء لكرة القدم،

بل على العكس، هو يدرك تمامًا سحرها الأخاذ للقلوب،
غير أنه يدعو القارئ للنظر لما يجرى وراء الكواليس وللتفكير فى الثمن الذى قد تدفعه المجتمعات عندما تتحوّل الرياضة لصناعة ضخمة تتجاوز حدود المنافسة الشريفة.

«أمريكانى» فى الصعيد الجوانى| المصريون لا يتحدثون عن أزماتهم بنبرة الانهيار بل بالقدرة على التحمل
جيل «الأوفر تايم»وظيفة واحدة لا تكفى
12 مدرسة دولية تمنح الطلاب درجات نهائية وأوراق امتحاناتهم بلا إجابات!






