ظل "الطنين العالمي" لعقود أحد أكثر الألغاز العلمية إثارة، بعدما أبلغ آلاف الأشخاص في دول مختلفة عن سماع صوت منخفض ومستمر لا يدركه من حولهم، وبين فرضيات تحدثت عن مصادر بيئية غامضة وأخرى ربطته بظواهر غير مفهومة، توصلت دراسة حديثة إلى تفسير جديد قد يضع حدًا لهذا اللغز، مرجحة أن مصدر الصوت لا يأتي من الخارج، بل من داخل الجهاز السمعي نفسه.
اقرأ أيضأ|حكاية لعبة 5.. هل ما زالت الألعاب التقليدية تحتفظ بمكانها في عصر الشاشات؟
لغز حير العلماء لعقود
منذ سبعينيات القرن الماضي، تحدث أشخاص في مناطق متفرقة من العالم عن سماع صوت خافت يشبه الأزيز أو الطنين أو الهدير، يستمر لفترات طويلة، بينما يعجز المحيطون بهم عن سماعه، وهو ما عرف لاحقا باسم "الطنين العالمي".
وفي دراسة حديثة أجراها باحثون من المركز الألماني للدوار واضطرابات التوازن بالتعاون مع الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، ونشرت في دورية PLOS One، خلص العلماء إلى أن عددًا كبيرا من هذه الحالات قد يكون ناتجًا عن شكل غير شائع من طنين الأذن منخفض التردد، وليس عن مصدر صوتي خارجي.
لفتت هذه الظاهرة انتباه الباحثين لأول مرة في سبعينيات القرن الماضي، عندما اشتكى سكان مدينة بريستول البريطانية من سماع صوت منخفض التردد يقترب من 50 هرتز، ومع مرور الوقت، ظهرت بلاغات مماثلة في أستراليا ونيوزيلندا وعدد من مناطق أميركا الشمالية، حيث وصف المتأثرون الصوت بأنه أزيز أو هدير أو طنين مستمر، وغالبًا ما كان يسمع في أماكن محددة، مثل غرف النوم خلال ساعات الليل، ثم يختفي في مواقع أخرى، الأمر الذي صعّب مهمة تحديد مصدره.
اختبار الفرضيات
بدلا من البحث عن مصدر الصوت في البيئة المحيطة، ركز الباحثون على دراسة الأشخاص الذين يعانون من هذه الظاهرة، وشملت الدراسة 28 متطوعًا خضعوا لسلسلة من اختبارات السمع، بهدف التحقق من فرضيتين رئيسيتين، الأولى تفترض امتلاكهم قدرة استثنائية على سماع الأصوات منخفضة التردد، بينما تشير الثانية إلى أنهم يسمعون أصواتا تصدر طبيعيا من الأذن الداخلية، تعرف باسم الانبعاثات الصوتية القوقعية.
وأظهرت النتائج أن معظم المشاركين يتمتعون بقدرة سمع طبيعية، ولم يسجل سوى شخصين حساسية أعلى من المعتاد تجاه الأصوات منخفضة التردد، كما لم تكشف الفحوص عن أي اختلافات غير طبيعية في الانبعاثات الصوتية الصادرة من الأذن الداخلية.
طنين الأذن.. التفسير الأقرب
واستنادًا إلى نتائج الدراسة، يرى الباحثون أن التفسير الأكثر ترجيحًا هو أن "الطنين العالمي" يمثل في كثير من الحالات نوعًا من طنين الأذن منخفض التردد، ورغم أن طنين الأذن يرتبط عادةً بأصوات حادة تشبه الصفير، فإن بعض المصابين يعانون أصواتًا منخفضة تشبه الهمهمة أو الأزيز أو الهدير، وهي أوصاف تتطابق مع ما ذكره كثير من الأشخاص الذين أبلغوا عن هذه الظاهرة.
وأشار الباحثون إلى أن هذا التفسير لا ينطبق بالضرورة على جميع الحالات، إذ قد تكون بعض البلاغات ناتجة عن مصادر صوتية حقيقية في البيئة، إلا أن طنين الأذن يظل الاحتمال الأقرب لتفسير نسبة كبيرة منها.
وشدد فريق الدراسة على أن الأشخاص الذين يسمعون هذا الطنين لا يتوهمون ما يشعرون به، بل يعانون اضطرابا حقيقيا يرتبط بالجهاز السمعي وآليات معالجة الأصوات داخل الدماغ،ورغم التقدم في فهم هذه الظاهرة، لا تزال الأسباب الدقيقة لطنين الأذن غير معروفة بالكامل، كما لا يتوفر حتى الآن علاج نهائي قادر على القضاء عليه.
وتفتح نتائج الدراسة بابا جديدا لفهم أحد أكثر الألغاز السمعية التي حيرت العلماء لعقود، إذ تشير إلى أن تفسير الظاهرة قد يكون أقرب إلى وظائف الدماغ والأذن الداخلية منه إلى الأصوات الغامضة في البيئة المحيطة، ومع استمرار الأبحاث، يأمل العلماء في تطوير وسائل تشخيص وعلاج أكثر فاعلية، بما يخفف معاناة ملايين الأشخاص الذين يعيشون مع طنين الأذن حول العالم.

كيف تجعل الحسد دافعا لتطوير نفسك؟
سباق عالمي لإنقاذ البن من تهديدات التغير المناخي
كندا تنضم إلى "يوروفيجن" وتوسع المسابقة نحو أميركا الشمالية






