لم تعد الهجرة أو الاقتصاد أو الانتخابات هي أكثر القضايا إثارة للجدل في فرنسا، بل أصبح التكييف محور انقسام سياسي ومجتمعي غير مسبوق، حتى إن وسائل الإعلام الفرنسية أطلقت على هذا الصراع اسم «فرنسا المراوح» في مواجهة «فرنسا المكيفات».
فما الذي جعل جهازًا منزليًا بسيطًا يتحول إلى قضية سياسية؟ وما علاقة ذلك بموجات الحر القياسية التي تضرب أوروبا؟

■ المذيعة حبيبة عاطف
وقالت حبيبة عاطف المذيعة بقناة القاهرة الإخبارية، بأن على مدار عقود، اعتبر الفرنسيون أن أجهزة التكييف مجرد وسيلة رفاهية لا تتناسب مع ثقافة الحفاظ على البيئة، إذ تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء وتزيد من الانبعاثات الكربونية، كما أن المدن التاريخية، وعلى رأسها باريس، تفرض قيودًا صارمة على تركيب وحدات التكييف الخارجية حفاظًا على الطابع المعماري للمدينة، وهو ما جعل فرنسا واحدة من أقل الدول الأوروبية اعتمادًا على أجهزة التكييف.
لكن هذا الواقع بدأ يتغير مع تصاعد موجات الحر عامًا بعد آخر، حيث تجاوزت درجات الحرارة في بعض المناطق 40 و41 درجة مئوية، فيما سجلت دول أوروبية مثل ألمانيا وبولندا والتشيك وفرنسا أرقامًا قياسية غير مسبوقة.
وأمام هذا التصاعد، أطلقت منظمة الصحة العالمية تحذيرات تؤكد أن أوروبا أصبحت أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، مشيرة إلى أن ملايين الأوروبيين يعيشون في منازل لم تُصمم أصلًا لتحمل هذا النوع من الحرارة الشديدة، ما يجعلها تحتفظ بالحرارة لساعات طويلة وتتحول إلى بيئة خطرة على سكانها.
ولم تعد الأزمة مجرد شعور بعدم الراحة، بل تحولت إلى قضية صحة عامة، بعدما سُجلت آلاف الوفيات الإضافية خلال موجات الحر مقارنة بالمعدلات الطبيعية، وكان كبار السن، خاصة من تجاوزوا 65 عامًا في فرنسا، الأكثر تضررًا، حيث فقد كثيرون حياتهم داخل منازلهم التي تحولت إلى ما يشبه الأفران.
ومع تفاقم الأزمة، دخلت السياسة على الخط، فقد طالبت أحزاب فرنسية بتوسيع استخدام أجهزة التكييف داخل المدارس والمستشفيات ودور رعاية المسنين، مؤكدة أن حماية حياة المواطنين يجب أن تكون الأولوية حتى لو ترتب على ذلك زيادة استهلاك الطاقة.
في المقابل، رفضت أحزاب أخرى هذا التوجه، معتبرة أن الحل الحقيقي لا يكمن في نشر أجهزة التكييف، بل في زراعة المزيد من الأشجار، وتحسين عزل المباني، وتطوير أنظمة التهوية الطبيعية، للحد من آثار الحرارة دون زيادة الانبعاثات التي تساهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.
وفي النهاية، تكشف أزمة التكييف في فرنسا عن صراع أعمق من مجرد الخلاف على جهاز كهربائي، فهو مواجهة بين رؤيتين مختلفتين: الأولى ترى أن حماية الإنسان يجب أن تأتي أولًا حتى لو كان لذلك ثمن بيئي، والثانية تؤمن بأن حماية البيئة اليوم هي الضمان الحقيقي لحماية الإنسان في المستقبل.

تكليف الإعلامية نهال خلاف بأمانة الإعلام عن محافظة المنيا لحزب مستقبل وطن
الرئيس الأمريكى يشكك فى نزاهة الانتخابات
«استدعاء هيكل».. بين التراث الفكري والتحليل الاستراتيجي لصراعات الشرق الأوسط






