30 يونيو ثورة إصلاح المسار وصناعة المُستقبل

د. وليد جاب الله
د. وليد جاب الله


لم تكن ثورة 30 يونيو 2013 مجرد حدث سياسي، ولكنها كانت بمثابة فرصة خلقها المصريون للحفاظ على هويتهم، والانطلاق نحو صناعة مُستقبلهم بما يُناسب عُمقهم التاريخي، وتنوعهم الفكري، وثوابت عقيدتهم. ويُعد الملف الاقتصادى من أهم الملفات التى واجهتها ثورة يونيو 2013 حيث وُلدت تلك الثورة من رحم مُعاناة اقتصادية جسيمة أثرت بالسلب على حياة المصريين الذين واجهوا حالة عدم اليقين السياسى والاقتصادى خلال فترة الاضطراب السياسى بعد يناير 2011.
فبعد أن كان الاقتصاد المصرى يُحقق نتائج جيدة قبل 2011، نجد أن الأرقام تكشف أن حالة الاضطراب السياسى قد أحدثت به أضرارا جسيمة، حيث انخفض مُعدل النمو من نحو 5% عام 2010 إلى نحو 1٫8% عام 2011/2012، و2٫2% عام 2012/2013 وهى مُعدلات نمو تقل كثيراً عن المُعدل المُناسب لاستيعاب الزيادة السُكانية. كما تراجع الاحتياطى النقدى من نحو 36 مليار دولار عام 2010 إلى نحو 14٫9 مليار دولار عام 2013، وهو مُستوى أقل من أن يُغطى واردات مصر من احتياجاتها الأساسية لمدة 3 شهور، وهو الأمر الذى ظهرت مُعه السوق السوداء للعملة، تراجعت معه ثقة المُستثمرين فى الاقتصاد. فى ظل توقف لعجلة الإنتاج دفع مُعدل البطالة ليُسجل نحو 13٫2% عام 2013 وهو ما شكل ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً كبيراً سيما فى ظل تراجع الاستثمارات الأجنبية المُباشرة لتُسجل أقل مستوياتها ليشهد الاقتصاد تراجعا كبيرا فى بنيته الصناعية، بتوقف آلاف المصانع، وعدم إنشاء مصانع جديدة. وفى قطاع السياحة المُهم جداُ لمصر بدت مصر تفقد جاذبيتها فيه حيث تراجعت أعداد السائحين، وانخفض إيراد السياحة، فى وقت كانت الحكومة غير قادرة على تحمل فاتورة الطاقة فشهدت البلاد انقطاعات مُتكررة للكهرباء، ونقصاً حاداً فى الوقود بكل أنواعه، وتراكماً فى مديونيات شركات البترول والغاز، ولم تكن المالية العامة للدولة قادرة على تحمل كل ذلك فى ظل وصول عجز الموازنة لنحو 14% فى توقيت تراجعت فيه تصنيفات مصر الائتمانية مما رفع تكلفة التمويلات التى تحتاجها بفعل تراجع الثقة فى الاقتصاد المصري.
وكان انشغال الإخوان فى تلك المرحلة يتركز على التمكين السياسى السريع يطغى على اهتمامهم بالمعالجة الاقتصادية فساءات الأحوال الاقتصادية واتخذت مساراً أصعب فاستمر تآكل الاحتياطي، وازدادت فترات انقطاع الكهرباء، ولم يستطع المواطنون وقطاعات الصناعة والزراعة الحصول على احتياجاتهم من الوقود، والغاز، وبدت الوعود بالتحسن كأنها سراب، فلم يكن لمشروعهم السياسى القدرة على اكتساب الثقة الدولية، ولا بناء دولة عصرية، ولا الحصول على التمويل الذى كانت تحتاجه مصر بشدة لإعادة بناء مُستقبلها. وكان لاستمرار حالة عدم اليقين تلك أن يستمر انخفاض الاستثمارات، ويزداد تراجع التصنيف الإئتمانى فى ظل تراجع الصادرات، وتراجع إيرادات السياحة، وتعقد أزمة الطاقة مما يدفع نحو استمرار مُعدلات النمو فى أدنى مستوياتها، كما يستمر المسار التصاعدى للتضخم، والتراجع المُستمر لأسعار الصرف، مما يدفع نحو استمرار المسار التصاعدى لنسبة البطالة، فى ظل تآكل البنية التحتية للاقتصاد بصورة جعلتها غير قادرة على استيعاب تصورات التنمية المُستقبلية.
وهكذا بدت ثورة 30 يونيو 2013 وكأنها طوق النجاة الذى أخذ بيد الدولة المصرية إلى صناعة مُستقبل عصرى يُراعى الخصوصية المحلية، ويندمج فى الأُطر العالمية بما يدعم مسار الدولة الوطنية القادرة على حماية أمنها القومى بما فيه أمنها الاقتصادي، واحتاجت ثورة 30 يونيو بعض الوقت لكى تستقر على برنامج إصلاح اقتصادى كان هو طريق النجاة، حيث تم تصميم برنامج إصلاح اقتصادى بدعم من صندوق النقد الدولى بدأ فى نوفمبر 2014 ساعد الدولة المصرية على تعزيز ماليتها بما ساعدها على إعادة بناء بنيتها التحتية، وتطوير منظوماتها الاقتصادية، وتعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات، وتحفيز نمو قطاعاتها الاقتصادية. وقد بدأت النتائج تظهر تباعاً حيث ارتفع الناتج المحلى الإجمالى من نحو 2٫1 تريليون جنيه عام 2013 إلى نحو 17 تريليون جنيه خلال العام المالى 2025/2026، وارتفع الاحتياطى النقدى من نحو 14٫9 مليار دولار عام 2013 إلى ما يُجاوز 50 مليار دولار عام 2026 وتم القضاء على أزمات نقص الكهرباء والوقود والسلع الأساسية وغير شكل الدولة المصرية التى أصبحت تعيش جمهوريتها الجديدة عبر إنشائها آلافا من الطرق والمحاور الجديدة التى تُمثل شرايين للتنمية تربط بين الداخل المصرى والامتدادات الجديدة فى العاصمة الجديدة، والعلمين الجديدة، وشرق بورسعيد، والمنصورة الجديدة وغيرها من المُدن والمحاور الجديدة للتنمية التى انتشرت لتصل إلى سيناء عبر مشروع مُتكامل لتنميتها التى يعيشها المواطن السيناوى كواقع، وتطوير فى الساحل الشمالي، وأكبر عملية تنمية يشهدها الصعيد المصري، وكذا أكبر برنامج لتحسين حياة المصريين فى الريف وهو «حياة كريمة». 
تعيش مصر جمهورية 30 يونيو الجديدة بعد أن تغير شكل القاهرة وعاد لها رونقها، وتخلصت من مناطقها العشوائية، وانساب المرور فى محاورها الجديدة، وتزينت لتُعيد نفسها كوجهة تاريخية للسياحة، وما حدث فى القاهرة، حدث أيضاً فى الإسكندرية وعواصم المُحافظات. انتشرت المشروعات القومية فى كل أنحاء مصر بما ساعد فى انخفاض مُعدل البطالة مما يجاوز 13 % إلى نحو 6% فقط، وأصبحت مصر هى الوجهة الأولى للاستثمار الأجنبى فى إفريقيا، ونجح الاقتصاد المصرى فى أن يكتسب الصلابة التى جعلته قادراً على تحمل تداعيات جائحة كورونا، والحرب الأوكرانية، والحرب فى غزة، والحرب فى إيران، والصراعات الجيوسياسية العالمية وسط عالم مُضطرب يتشكل مُستقبله بعنف، بينما تقف القاهرة بكل صلابة وقوة وحكمة تتابع وتتفاعل مع المُتغيرات العالمية لتبحث عن أفضل موضع لها فى مُستقبل العالم القادم، ربما تتأثر مصر كغيرها بما يحدث فى العالم ولكن دولة 30 يونيو الجديدة أثبتت قدرتها على الصمود، وعلى أن تبنى مُستقبلها فى أصعب الظروف بكل عزيمة وثقة فى القدرة المصرية وسط حالة تناغم فريدة بين الشعب المصرى وقيادته السياسية التى التف حولها المصريون مُنذ بداية ثورة 30 يونيو بكل إصرار على استكمال مسيرة صناعة المُستقبل.