يونيو..الانتصار والسؤال المجتمعى

إيهاب فتحى
إيهاب فتحى


هناك تصور سائد عند البعض عن مفهوم الثورات يتلخص فى أن الثورة هى لحظة الحشد الجماهيرى، ثم الحراك من أجل إحداث تغيير، هذا التصور يعبر فقط عن الخطوات الأولى للثورة لكن الثورة فعل انسانى أعمق من هذا وممتد زمنيًا متجاوزًا البدايات المتمثلة فى الحشد والحراك

عندما ننظر لثورة الـ 30 من يونيو المجيدة نجد بالتأكيد أنها حققت الجانب الأول منها من خلال الحشد الجماهيرى والحراك حيث استطاعت الإطاحة بالفاشية الإخوانية التى تسللت إلى السلطة بدفع خارجى وحققت هدفها الأول بامتياز بهذه الإطاحة

يبقى هنا البعد الثانى لثورة بهذا الحجم قامت بها الأمة المصرية عن اقتناع كامل مستشعرة خطورة الفاشية الإخوانية على هويتها وبقاء الدولة ووجود الأمة ذاته، يشير هذا البعد إلى الفعل الثورى فى قدرته على إحداث تغيير عميق ممتد زمنيًا فى بنية المجتمع. 

إن ما قامت به يونيو فى لحظتها الثورية الأولى والحاشدة من الإطاحة بالفاشية الإخوانية المتسللة للسلطة تم على أكمل وجه ثم انطلق الزخم الثورى ليعطى للدولة المصرية ومؤسساتها القوة من أجل التصدى للموجة الإرهابية التى كانت وراءها عناصر الفاشية الإخوانية المدعومة خارجيًا. 

استطاعت الدولة المصرية وطليعتها من أبناء القوات المسلحة والشرطة دحر هذه الموجة الإرهابية التى لم يشهد لها الوطن مثيلا طوال تاريخه الممتد قديمًا وحديثًا، ولم تكتف الدولة المصرية بهذا التصدى ولكن بموازاة ذلك كانت تقوم بعملية بناء لمفهوم ومقومات الدولة الحديثة فلم يشغلها دحر الإرهاب الأسود عن بناء المستقبل، 

حققت يونيو فى بعدها الثانى هذا الحجم من الانتصارات، الإطاحة بالفاشية الإخوانية، دحر إرهاب الفاشية الإخوانية،  الانطلاق فى تحديث  كل مقومات الدولة وكان وراء هذا النجاح الزخم الثورى الذى صنعته جماهير يونيو التى خرجت فى يوم الثورة على امتداد ربوع هذا الوطن. 

لقد مر على يونيو الآن 13 عامًا واستطاعت تحقيق كل ماسبق من انجازات فى لحظتها الثورية الحاشدة الأولى وبعدها الثانى، لكن هل يعنى الامتداد الزمنى أن الثورة استنفذت أهدافها أو أنها أصبحت فعلا تاريخيًا؟ الحقيقة أن الثورات لا تدخل مخازن التاريخ بل هى فعل إنسانى استثنائى لايتكرر فى عمر الأمم كثيرًا ويستمر اندفاعه وزخمه لأجيال حاضرة وقادمة. 

يجب عند هذه الحقيقة أن نعيد استحضار يونيو الثورة والفعل ونستمد من زخمها انطلاقة أخرى أو بعدًا ثالثًا يستطيع إصلاح ماهو أعمق فى هذا المجتمع لأن يونيو الثورة هنا تخرج من كونها فعلا ثوريًا أدى ماعليه بامتياز لتصبح مرجعية قادرة على إصلاح أى خلل مجتمعى. 

وقع هذا الخلل المجتمعى نتيجة اعتداء الفاشية الإخوانية وأذنابهم من المتسلفة على بنية وعقل المجتمع المصرى طوال ما يزيد عن خمس عقود ماضية فلم يكن المشروع الأسود للفاشية الإخوانية قائمًا فقط على التسلل إلى السلطة السياسية أو محاولة استعادة هذه السلطة بالإرهاب الدموى وقد فشلت فشلا ذريعًا فى تحقيق غرضيها. 

لا ينسينا الانتصار الذى حققته هذه الأمة بثورتها فى يونيو  وفشل الفاشية الإخوانية أن نطرح على أنفسنا سؤالا اجتماعيًا محوريًا هل استطعنا بالفعل إزالة كامل آثار عدوان الفاشية الإخوانية وأذنابهم من المتسلفة على هذا المجتمع وعقله المستنير؟ 

الإجابة عن هذا السؤال تحتاج منا أولا فهم ما سببه عدوان الفاشية الإخوانية على هذا المجتمع طوال ما يزيد عن خمس عقود، وبحث آثار هذا العدوان على عقل وبنية المجتمع يحتاج إلى دراسات مستفيضة لكن فى عجالة إن أول ماعملت عليه الفاشية الإخوانية هو استبدال العقل النقدى المستنير بالعقل الخرافى وتوطين الخرافة فى بنية المجتمع من أجل السيطرة على الوعى الجمعى فى هذا الوطن ثم يأتى بعد ذلك التسلل السياسى. 

 ثانيا إقامة حاجز بهذه الخرافات بين المصريين ووعيهم بهويتهم وحضارتهم حتى تصنع الفاشية هويات بديلة تنزع المصرى من جذره الحضارى وتجعله رهين أفكار الفاشية السوداء الدموية. 

ثالثًا من خلال الدعاية السوداء وأطنان من الفتاوى الزائفة التى فى كثير من الأحيان تتحول إلى فتاوى تحريضية لارتكاب الجرائم أو تصنع حالة من العداء بين المواطن ومؤسسات الدولة لأجل أن يسهل على الفاشية إدارة حركة المواطن فى اتجاه عدائى ضد مفهوم الدولة و سماحة الدين الصحيح. 

رابعًا عملت الفاشية الإخوانية طوال العقود الماضية على تفتيت مفهوم المواطنة وإحلال الحالة الطائفية مكان المواطنة، وحتى على مستوى الدين الواحد ثم صناعة حالة عدائية تجاه المرأة ودورها فى المجتمع، ولم تكتف بذلك بل حاولت تدمير كل وسائل القوى الناعمة التى بناها المجتمع على مدار تاريخ طويل وميزت الدور المصرى إقليميًا ودوليًا. 

خامسًا حاولت الفاشية الإخوانية فرض نسق "أخلاقى" مزيف أساسه التطاول والبذاءة وتمزيق كل ماهو أخلاقى وإنسانى فى تعامل البشر فيما بينهم وفى أدق اللحظات الإنسانية حتى عند الموت، فكل قيمة إنسانية عند الفاشية مستباحة أمام إجرامها وبذاءتها عندما تضع ما تراه وفق نظرتها الإجرامية فى خانة الأعداء 

هذا جزء يسير من عدوان الفاشية على هذا المجتمع طوال العقود الماضية وغيره كثير ويمكن بمنتهى السهولة الاطلاع على آثار هذا العدوان على المجتمع بمجرد المرور السريع على صفحات وسائط التواصل الاجتماعى التى تعكس كافة شرائح المجتمع. 

لذلك فإن الإجابة الصحيحة على هذا السؤال المجتمعى تحركنا لإزالة آثار هذا العدوان وأيضا تجعلنا نستعيد زخم يونيو من جديد وعنفوانها فيونيو ليست ذكرى أو احتفالية بل فعل ثورى إنسانى لا يتكرر كثيرًا قامت به هذه الأمة وقادر فى كل وقت على التصدى للفاشية وإزالة آثارعدوانها لنحقق الانتصار بالعلامة الكاملة بالقضاء على الخرافة والهويات البديلة والنسق " الأخلاقى " الزائف ونستعيد العقل المستنير ونوطن الحداثة والعقلانية فى مجتمعنا ويونيوالشعب و الثورة  قادرة على بتر كل آثار عدوان الفاشية من هذا المجتمع.

;