الجمهورية الجديدة مشروع وعى وتجربة إرادة
خطاب الرئيس بكاتدرائية ميلاد المسيح عام 2022 كان إعلانًا لفلسفة حكم كاملة
«المحبة» سلاح الدولة الناعم لتحصين المجتمع ضد فيروسات التعصب
القيادة السياسية ساهمت فى دعم الوحدة الوطنية للوقاية من الأزمات
حرية العبادة حق أصيل ومبدأ تأسيسى لا يُقاس بعدد ولا يُنتقص برأى
العلاقة بين الرئيس السيسى والشعب القبطى حالة حب تستحق التوقف والتأمل
ليست المواطنة حديث كُتب، ولا شعارًا يُرفع عند اللزوم، بل امتحان يومى تخضع له الدولة فى أقوالها قبل أفعالها، وفى مواقفها قبل بياناتها، وحين تُولد جمهورية جديدة من رحم معاناة طويلة، يشتد الاحتياج إلى فقهٍ يرشد الخطى، ويُعيد ترميم ما هدمته سنوات الغفلة وفتن العصور الملتبسة..
فالمواطنة فى مصر لم تُمنح يومًا بوصفها منّة، ولم تُنتزع بالقوة، لكنها كثيرًا ما تعرضت لعقوق السياسة وتقلبات الوجدان الجمعي.
ومنذ أن أفاق الوطن على صخب ثورتين، واختبر تماسكه أمام موجات التعصب والتطرف، بدا كأن روحه تبحث عمَّن يعيد صوغ العلاقة بين المواطن ودولته. علاقة يتساوى فيها النداء بالأذان، وتتعانق فيها الأجراس مع دقات القلب المصرى الخالص، ليعود المشهد كما أراده الآباء المؤسسون: «الدين لله والوطن للجميع».
فى هذا المناخ المشحون بالأمل والاختبار، برزت المواطنة «الشعبية» لا بوصفها نظرية سياسية، بل سلوكًا عامًا يتجلَّى فى الموقف قبل النص، وفى المبادرة قبل القانون. مواطنة لا تصنعها البيانات الرسمية، بل يصنعها حضور رئيس يختار أن يكون بين شعبه لا فوقه، وأن يعلن بالفعل لا بالقول أن الوطن يتسع لكل أبنائه بلا تمييز، وأن دولة العدالة لا تعيش إلا على أرض معافاة من أمراض الطائفية والضغائن.
وهكذا، لم تعد الجمهورية الجديدة مجرد عنوان، بل مشروع وعي، وتجربة إرادة، وعودة صلبة إلى الجذور المصرية التى لا تعرف فرزًا ولا تصنيفًا.. جذور كان فيها الجار جارًا قبل أن يُسأل عن دينه، وكان فيها اسم الطفل ميراثًا مشتركًا بين الهلال والصليب. ومن هنا يبدأ الفقه الجديد للمواطنة: من استعادة ما فقدناه، وتأسيس ما نطمح إليه، على أرض صلبة من المحبة والتعايش واحترام الحق فى الاختلاف.
فما لا يُدرك كله لا يُترك جُلّه.. هذه قاعدة مجربة فى قراءة أحوال الوطن يومًا بعد يوم، وميزان دقيق لقياس التحولات العميقة التى مرت بها مصر من الجمهورية القديمة إلى الجمهورية الجديدة.
لقد ورثت مصر عند لحظة الميلاد الجديد حزمة من الأمراض الاجتماعية والسياسية المتوطنة: التعصب، التطرف، الفتنة الطائفية، ضمور مفاهيم المواطنة، وتراجع منسوب العيش المشترك حتى كادت شرارات الفتن تشعل وجه المحروسة فى لحظات حالكة من تاريخها القريب.
لكن فى قلب هذا المشهد المأزوم، انبثقت إرادة وطنية صلبة، تجسدت فى احتشاد 25 يناير ثم 30 يونيو، لتكتب مصر نصًا جديدًا لكرامة الإنسان ومساواة المواطنين، دون أن يخطّه كاتب؛ بل صاغته ملايين الحناجر التى هتفت للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وبرزت تباشير المواطنة فى سياقات وتفاعلات الحالة الثورية، فازدهرت شجرة المواطنة وأثمرت..
(مشهد الشباب المسيحى يصب ماء الوضوء لإخوانه تطهرا للصلاة.. خير نموذج وأكمل مثال)، وتعانقت أجراس الكنائس مع أذان المساجد تعزف سيمفونية وطن واحد، «الدين لله والوطن للجميع» مجددا تصدح منذ ثورة المصريين 1919، وأعيد ضخ مقولات معتبرة لبابا العرب لقداسة البابا «شنوده الثالث» مستقاة من الكبير طيب الذكر خطيب الوطنية المصرية المفوه «مكرم عبيد»: «إن مصر ليست وطنا نعيش فيه بل وطن يعيش فينا»، و«نحن مسلمون وطنا ونصارى دينا، اللهم اجعلنا نحن المسلمين لك، وللوطن أنصارا.. اللهم اجعلنا نحن نصارى لك، وللوطن مسلمين»..
إعادة بناء الذاكرة
كما أبرز هذا الفصل من الكتاب، الدور المحورى للرئيس «عبد الفتاح السيسي» فى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطن: كيف أعادت الجمهورية الجديدة بناء ذاكرة مصر الحقيقية، وكيف أسهمت القيادة الرئاسية فى تطوير فقه المواطنة ليصبح وقاية قبل العلاج فى لحظات الأزمات، وكيف تحمل الرمزية السياسية للمشهد رؤى الرئيس فى تعزيز الوحدة الوطنية والتلاحم الاجتماعي، وكيف عملت الدولة بقيادة الرئيس على تحقيق المواطنة فى البنى التحتية والخدمات، وصولًا إلى تحرير الفضاء العام من لغة الكراهية ورسم صورة مواطنة المستقبل. كل هذه الزوايا تكشف عن بعد جديد للمواطنة يعكس رؤية الرئيس للجمهورية ويعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على نحو لم يُناقش من قبل.
الجمهورية الجديدة.. ميلاد لإعادة تعريف المواطنة
حين وقف الرئيس عبد الفتاح السيسى فى كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الجديدة عام 2022 معلنًا رسميًا دخول مصر زمن «الجمهورية الجديدة»، لم يكن يصف ترتيبًا إداريًا جديدًا، بل كان يعيد تعريف معنى الدولة نفسها ، حيث قال فخامته: «الجمهورية الجديدة هى جمهورية الحلم والأمل، جمهورية العلم والعمل، المسالمة وليست المستسلمة، هنبنيها مع بعض، وأى تحد وأى صعاب تهون لو كنا على قلب رجل واحد».
الرئيس السيسى يتحدث كثيرا عن حلمه فى ولادة جمهورية جديدة، ويطارد حلمه ويجتهد فى تحقيقه، وعلى مدد الشوف تتشكل ملامح الجمهورية الجديدة من كفر الشيخ إلى شرم الشيخ ، لم تكن كلمات احتفالية، بل كانت إعلان فلسفة حكم كاملة: إعادة تأسيس مفهوم المواطنة من الجذر.
فالمواطنة فى خطاب الرئيس ليست شعارًا أو مادة دستورية، بل «فقهًا» بالمعنى الحضاري: فهم عميق، وتطبيق مستمر، ورؤية مُضَمَّنة فى القرارات، وسلوك يومى من رأس الدولة حتى أصغر موظف فى مؤسسات الخدمة العامة.
المحبة سياسة دولة
مرت عقود الكراهية طويلة كئيبة، كنا نتشوق لنسيم المحبة يجمع بين الأحباب، حضور القداس، زيارة الكنائس، اللمة والعشرة وطيب الناس، هبت علينا رياح الهبوب تلفح الوجوه بفتاوى متفجرة، تم إبطالها، والتوقى منها، لقاح المحبة كان فعالا فى صد فيروسات الكراهية المتحورة إخوانا وسلفيين، وقانا الله منهم أجمعين..
لقد استخدمت الدولة «المحبة» كسلاح ناعم لإبطال فتاوى العتمة، ولقحت المجتمع ضد الفيروسات المتحورة من التعصب ، ليس هذا خطابًا وجدانيًا، بل سياسة أمن قومي: لأن مجتمعًا منقسمًا طائفيًا هو مجتمع هش، لا ينهض ولا يحارب ولا يتقدم.
توفيق أوضاع الكنائس
الرقم وحده نص سياسى وفلسفة دولة: 3613 كنيسة ومبنى تابعًا تمت تسوية أوضاعهم منذ 2018 ، فى بلد كان بناء دورة مياه فى كنيسة قرية نائية يحتاج مفاوضات و«توقيعات»، تصبح هذه الأرقام شهادة تاريخية على إرادة سياسية قررت أن ترد المظالم، وتعيد الكرامة، وتبرّئ الوطن من تركة عقود قاسية.
ترأس رئيس الوزراء بنفسه اللجنة العليا، بإصرار رئاسى على تجاوز البيروقراطية والعقبات والميراث الثقيل هذا ليس مجرد «تقنين»، بل تحرير للمواطنة الدينية من أسر الماضي.
لاقت جدية اللجنة العليا التى يترأسها المهندس «مصطفى مدبولي» رئيس مجلس الوزراء بتكليف من الرئيس السيسي، جدية تتجلى فى انتظام جلساتها ومتوالية الموافقات، (أول تقنين كان فى مايو من عام 2018)، ولا تزال الموافقات تتوالى ما يثلج صدور إخوتنا.
الرقم الفخيم، (3613 كنيسة ومبنى تابعًا)، يعبر عن إرادة سياسية متحققة، الرئيس السيسى من أول خطاب علنى عنى بتجليس المواطنة على الأرض أقوالا ترجمت أفعالا، يعتقد اعتقادا صادقا بحرية العبادة، وحق كل مواطن فى بيت عبادة يمارس فيه صلواته وطقوسه بكل حرية وتحت جناح الدولة الوطنية.
الرئيس، وبعد أن جبر خاطر المسيحيين بإعمار كنائسهم التى حرقها ودمرها واستباحها «إخوان الشيطان» فى يوم تالٍ ليوم رابعة المشؤوم، وبتكليف مباشر من سيادته للهيئة الهندسية الناجزة، وجه تاليا الحكومة بإنجاز القانون، وكلف رئيس الوزراء برئاسة اللجنة العليا بشخصه حضورا، لتذليل العقبات، وتوحيد جهة الموافقات، وتسريع أعمال اللجنة دون عكوسات بيروقراطية عطلت وعقدت الملف طويلا.
37 كنيسة شهريًا
يحسب للجنة مدبولى بتوجيهات رئاسية الإنجاز، وفى غضون ثمانى سنوات وفقت أوضاع 3613 كنيسة ومبنى تابعًا، بمعدل 450 كنيسة سنويًا، نحو 37 كنيسة شهريًا، وهذا كان من قبيل الأحلام المؤجلة من عهود سبقت.
الرقم الذى يقدره من عانوا الأمرين قبلا فى إمكان تعلية جدار منهار فى دورة مياه فى كنيسة فى قرية نائية لا تظهر على خريطة الوطن، أحسبه محبا فى ميزان حسنات «الرئيس السيسي» الذى دعم صدور القانون منذ أن كان مسودة بقلم رصاص، وهدية لشعب الكنيسة الذى عانى طويلا من عنت السلفية والإخوان ومن تبعهم من ذوى النفوذ بيروقراطيًا، يضيقون عليهم فى الطرقات إلى كنائسهم.
الجمهورية الجديدة تعبر عن نفسها خير تعبير فى هذا الملف، والتوجيه الرئاسى باستدامة أعمال اللجنة حتى توفق أوراق آخر كنيسة بطول البلاد وعرضها، وحتى لا تكون هناك مظلمة دينية لمواطن فى وطنه.
حرية الاعتقاد.. مبدأ رئاسى معلن
قال الرئيس السيسى بوضوح تاريخي: «لو عندنا يهود هنَبنى لهم معابد».. الجملة لم تكن ردًا عن سؤال، ولا خطابًا دبلوماسيًا، بل إعلان لمبدأ تأسيسي: حرية العبادة حق أصيل، لا يُقاس بعدد، ولا يُنتقص برأي، ولا تحدده ضغوط مجتمعية، المعبد اليهودي، والكنيسة، والمسجد، كلها دور عبادة تتساوى أمام الدولة، ويحميها قانون واحد وروح واحدة.
بهذه الرؤية خرجت مصر من ضيق الفتاوى إلى رحابة المواطنة. لأن الحرية والحق فى العبادة مصونة، ولا تخضع لأهواء ولا ترتهن بجماعات إرهابية، ولا بضغوط مجتمعية تحركها هواجس دينية، تجسيد لعنوان مصرى عابر للعقود «الدين لله والوطن للجميع».
من التنظير إلى الإجراء
«فقه المواطنة الشعبية» ليس تعبيرًا أدبيًا، بل نسق كامل من المبادئ والممارسات:
1) مواطنة تُترجم إلى هندسة عمرانية
المسجد والكنيسة متجاوران فى العاصمة الجديدة والمدن والمجمعات الحكومية.
المشهد ليس ديكورًا؛ بل رمز دولة جديدة.
2) مواطنة تُترجم إلى قرارات
■ تقنين الكنائس
■ إعادة إعمار الكنائس المدمرة بعد عنف الإخوان
■ رسائل تهنئة رئاسية ثابتة
■ حضور الرئيس أعياد الميلاد كطقس سياسى وفلسفي
3) مواطنة تُترجم إلى عدالة قضائية
تعيين المستشار بولس فهمى رئيسًا للمحكمة الدستورية لم يكن «مجاملة»، بل تجسيد للدستور والعدل والكفاءة. هى رسالة بدافع المواطنة إلى الداخل والخارج: الكفاءة وحدها معيار الدولة .
4) مواطنة تُترجم إلى رؤية ثقافية
تجفيف منابع الكراهية، ضبط الخطاب الديني، تمكين خطاب وطنى جامع، وعودة «الهوية المصرية» المتسامحة التى طمرتها سنوات الغلو.
الجمهورية الجديدة.. من حلم فرد إلى إرادة أمة
الرئيس السيسى لم يطرح رؤية فردية، بل حرّك معها وعيا اجتماعيا جديدا.. تحولت المواطنة من ملف «كان يؤجل دائمًا» إلى ركن تأسيسى من أركان الدولة.، تغيرت اللغة، تغيرت الممارسات، تغيرت القوانين، وتغيرت ملامح المشهد المدنى كله. لم تعد الكنيسة تنتظر موافقات، ولم يعد المواطن المسيحى يشعر بـ«منّة»، ولم تعد الدولة تخشى غضب المتعصبين. بل تحولت المواطنة إلى مبدأ مُحصَّن بإرادة سياسية، ومدعوم بوعى شعب ذاق مرارة الطائفية وأراد ألا تعود.
هذه ليست رواية وردية، بل قراءة لواقع يتغير، ولجمهورية تعيد تعريف نفسها، ولمواطن مصرى قرر أن يتطهر من رواسب التعصب ويعود إلى فطرته الطيبة.
وراء هذا الإنجاز الوطنى فى ملف حرية العبادة ثورة عظيمة (30 يونيو) التى تمخضت عن مواطن مصرى ذى فطرة سليمة برتبة قائد يستبطن المعنى الحقيقى للمواطنة وعنوانها العريض، حرية العبادة، والحق فى إقامة دور العبادة، والمساواة فى هذا الحق.
المواطن المصرى «عبد الفتاح السيسي» يوجه ببناء المسجد والكنيسة فى العاصمة الجديدة والمدن وحتى فى «مركز الإصلاح والتأهيل بوادى النطرون»، ولا يفرق بينها.
فلسفة البناية فى الجمهورية الجديدة تؤسس على المواطنة الصحيحة، وتبرأ من الأمراض المتوطنة والسارية، وثأرات وحزازات الماضى القريب الكئيب، أيام الاحتلال الإخوانى المتسلفن البغيض.
ورثت الجمهورية الجديدة أمراضا سارية، ولكن الإرادة السياسية عالجتها بصدمات كهربائية لتعيد للعقل الوطنى اتزانه، فرئيس الجمهورية يتخطى الموانع المصطنعة ويداوم على زيارته للكنيسة فى عيد الميلاد المجيد، «العيد صار عيدين» كما يقول الأقباط، ويستقبل الرئيس بالورد والفل ويهنئ إخوته بكلمات طيبات.
ويجرى تجسيد المعنى الحقيقى للمواطنة ببناء مسجد الفتاح العليم وكنيسة ميلاد المسيح كأول أبنية العاصمة الجديدة، وكان لافتا تدشين الكنيسة بكلمة من الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وافتتاح المسجد بكلمة من بابا المصريين قداسة البابا تواضروس الثاني، فى صورة لفتت أنظار العالم.. وتوالت البنايات «مسجد وكنيسة فى المدن »، حتى فى السجون، مركز الإصلاح والتأهيل بوادى النطرون شهد إقامة المسجد والكنيسة.
كذلك، ورثت الجمهورية الجديدة مرضا كان مستعصيا، رفض تولى المسيحيين الولاية العامة، وزراء ومحافظين ورؤساء هيئات ومؤسسات، وعلى مدى عقود عانى الأقباط التهميش والتمييز، بفعل سياسات الحكومات المتعاقبة، حتى ترسخ هذا التمييز فى الوجدان المجتمعي، الذى عبر عنه اشتعال الأوضاع فى محافظة قنا، عقب ثورة 25 يناير، مع قرار المجلس العسكرى بتعيين واحد وعشرين محافظا جديدا من أصل سبعة وعشرين، كان من ضمنهم «عماد شحاتة ميخائيل»، وهو ضابط شرطة قبطى اختير لإدارة محافظة قنا، وليكون ثانى محافظ مسيحى فى تاريخ مصر، حيث كان الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» قد عيّن من قبل محافظا قبطيا آخر هو «مجدى أيوب».
وعندما أعلنت حكومة عصام شرف وقتها تعيين «ميخائيل»، نظّم السلفيون فى قنا تجمّعات حاشدة، وأغلقوا خط القطار الذى يمرّ عبر المحافظة، وعلى مدى أكثر من أسبوع، أوقف المتظاهرون حركة النقل بالسكك الحديدية، حتى أوقف «شرف» تعيين «ميخائيل» فى نهاية المطاف، وتم تعيين «عادل لبيب» فى المنصب الذى شغله من قبل.
التمييز ضد الأقباط
هذا الموقف المعبر عن التمييز ضد الأقباط، ظهر أيضا فى عهد الإخوان، فرغم وعد رئيس الإخوان «محمد مرسى» قبل الانتخابات الرئاسية عام 2012 بتعيين قبطى فى منصب نائب الرئيس، فإنه تراجع عن ذلك الوعد بعد الإعلان عن تشكيل فريقه الرئاسي، فى 27 أغسطس 2012، الذى ضم «سمير مرقص» مساعدا للرئيس لملف التحول الديمقراطي، و«رفيق حبيب»، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة المنحل عضوا بالهيئة الاستشارية للرئاسة.
وجاء تراجع «مرسي» على وقع رفض السلفيين تعيين نائب لرئيس الجمهورية من الأقباط، وكان أبرز تصريحاتهم ما نقل عن «نادر بكار»، المتحدث الرسمى السابق باسم حزب النور، الذى قال: إن الحزب يرفض تعيين نائبين للرئيس من الأقباط والمرأة، ويرحب بتعيين مستشارين من الأقباط والمرأة مختصين بشئونهما.
بعد رفض السلفيين والإخوان تعيين محافظ ونائب للرئيس مسيحيين، إلا أن هذا الوضع تغير تماما بعد ثورة 30 يونيو 2013، ووجد الأقباط طريقهم إلى مؤسسة الرئاسة، وحركة المحافظين، وتحت قبة البرلمان، وخاصة مع تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى حكم البلاد فى 2014. فانضم إلى اللجنة الاستشارية للرئيس الكثير من العلماء والخبراء الأقباط أمثال: (الدكتور فيكتور رزق الله، الدكتور نبيل فؤاد فانوس، المهندس هانى عازر، المهندس إبراهيم روفائيل سمك، والدكتور مجدى يعقوب).
وفى انتخابات البرلمان عام 2015، حصد الأقباط 36 مقعدا، منهم 24 بنظام القوائم و12 بالنظام الفردي، فيما سجل الدكتور سمير غطاس اسمه كأول قبطى يفوز من الجولة الأولى فى الانتخابات، دون خوض جولة الإعادة عن دائرة مدينة نصر، وعيّن الرئيس عبدالفتاح السيسى 3 أقباط فى المجلس، طبقا للدستور، ليرتفع عدد الأقباط تحت القبة إلى 39 نائبا ليكون بذلك أكبر تمثيل قبطى فى تاريخ البرلمانات المصرية.
وشهد تمثيل المسيحيين بالمجالس النيابية والمناصب القيادية زيادة غير مسبوقة، حيث وصل عدد نواب البرلمان المسيحيين عام 2021 إلى 31 نائبا مسيحيا منتخبا، مقارنة بـ 5 نواب مسيحيين منتخبين عام 2012، وتعد «أمانى عزيز» هى أول نائبة مسيحية تحصل على منصب وكيل اللجنة الدينية فى تاريخ البرلمان المصرى عام 2015.
ولأول مرة فى تاريخ مجلس الشيوخ يصل عدد المقاعد المسيحية إلى 24 مقعدا فى 2020، مقارنة بـ 15 مقعدا مسيحيا فى 2012، وتعد «فيبى جرجس» هى أول سيدة مسيحية تتولى منصب وكيل ثان للمجلس فى 2020.
أما فى حركة المحافظين، فشملت حركة المحافظين التى اعتمدها الرئيس عبدالفتاح السيسى فى 2018، للمـــرة الأولى، تعيين ثلاثـــة أقبــــاط تواليـــا فى منصـــب المحــــــــافـظ،
وهم الدكتورة «منال ميخائيل»، محافظةً لدمياط، والدكتور «كمال شاروبيم»، محافظا للدقهلية.. ولواء أركان حرب «شريف فهمى بشارة» محافظا للإسماعيلية، ولم تكتف الدولة بذلك لتحقيق المواطنة، بل اشتملت التعديلات الدستورية الأخيرة التى وافق عليها الشعب المصرى وأقرت على تعديل المادتين (243) و(244) من دستور 2014، فى إطار زيادة التمثيل المجتمعى ودعم الحياة السياسية والتوازن بين طوائف المجتمع، اللتين كانتا تنصان على عمل الدولة على تمثيل الشباب والمسيحيين والأشخاص ذوى الإعاقة والمصريين المقيمين فى الخارج، تمثيلا ملائما فى أول مجلس نواب يُنتخب بعد إقرار هذا الدستور، وذلك على النحو الذى يحدده القانون، ليأتى التعديل ليضمن تمثيل تلك الفئات بشكل عادل وملائم ودائم وليس بشكل مؤقت بما يرسخ مبدأ المواطنة ويقوى النسيج الوطني.
زيارة محبة
تظل العلاقة بين الرئيس السيسى والشعب القبطى فى مصر حالة حب تستحق التوقف والتأمل، توقفًا أمام الاستقبال الرائع للرئيس بالورد والفل فى قداس عيد الميلاد المجيد سنويا.
زيارة محبة تكررت فى جميع الأعياد التى مرت على الأقباط والرئيس فى سدة الحكم، ولم يفعلها، ولم يقدم عليها أى من رؤساء مصر المحروسة، وحرمها رئيس الإخوان على نفسه وأهله اتساقًا مع موقف معلن ومعلوم من الأقباط، يكرهونهم كراهية التحريم.
ورغم ضراوة الحرب على فصم عرى هذه العلاقة، ودق إسفين فى وشائج العلاقة العامرة بالحب والتقدير بين الرئيس وعموم الأقباط، ورغم التحليلات الوهمية التى تطوعت بها منابر دولية مدفوعة إخوانيًا للتنبيط على العلاقة الوثيقة بين الكنيسة والرئاسة، كلها بنيت على خلاف واقع لا يراه هؤلاء المرجفون، لأن ما بين السيسى والأقباط حالة قلبية، عجائز الأقباط يدعون للرئيس فى قعور بيوتهم.
الأقباط لا يشكون لحظة أن الرئيس السيسى كان منقذًا لمصر عامة، ومخلصًا للأقباط من عنف الإخوان والتابعين، ويحمدون لهذا الرجل أن خلصهم من حكم المرشد، وكانوا فى قلب ثورة الشعب المصرى على الإخوان، ولا سبيل لزعزعة هذا الذى حدث وترك محبة فى القلوب، السيسى سكن قلوب الأقباط.
وزاد محبة يوم أصدر قراره الشجاع لسلاح الطيران الوطنى بضرب تجمعات «داعش» فى الغرب الليبى ثأرًا لشهداء الأقباط من المنيا الذين ذبحوا على الشاطئ وتلونت دماء المتوسط بدمائهم الزكية أمام عدسات مجرمة ذبحت قلوب المصريين جميعًا، لم يبت الرئيس على ثأر، ولم يهدأ حتى دك مواقع داعش وعادت الطائرات المصرية إلى قواعدها سالمة بفيديوهات «عملية الفجر».
ويوم زارهم فى أول عيد ميلاد من رئاسته، كان فرحًا عظيمًا، لم يتردد الرئيس فى الزيارة، ودخل على الأقباط كأب وكأخ وابن بهدية عيد الميلاد، زيارة بمثابة هدية، كانت الزيارة مفاجأة سارة للأقباط وعموم الشعب المصرى إلا الإخوان والسلفيين والتابعين الذين طفقوا يفتون بحرمة الزيارة وكراهية التهنئة ويسندونها إلى أراجيف لا ترقى لمستوى الثابت والمعلوم من الدين بالضرورة، ولا وصايا الرسول الكريم عليه أفضل وأتم السلام، أحاطوا الكاتدرائية المرقسية بالعباسية بسياج من كراهيتهم، ولكن الرئيس تخطاهم وتجاوزهم وألقى بهم خلف ظهره، وكان ظهوره ساطعًا منيرًا لقلوب الأقباط، وهتفوا بنحبك يا ريس، ورد التحية بأحسن منها.
شتان بين رجل قال ربى الله ثم استقام رئيسا ووطنيا، وبين هؤلاء الخوارج (الإخوان والسلفيين والتابعين) ممن لا يرعوون لأخوة ووطنية خالصة لوجه الوطن من بعد وجه الله سبحانه وتعالى، وهو من أوصانا ببر الأقباط، كما جاء فى سورة المائدة «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ» (82).
وفعلها الرئيس «السيسي»، وفاجأ الكنيسة والبابا والشعب القبطى بحضوره لدقائق للتهنئة بعيد الميلاد المجيد، شارك الرئيس فى سابقة تعد الأولى فى تاريخ مصر، ففور دخوله الكاتدرائية، استقبلته النساء بالزغاريد، والرجال بالتصفيق، وهز هتاف «بنحبك يا ريس» و«كلنا إيد واحدة» أرجاء الكنيسة الكبرى.
ونزل البابا «تواضروس الثاني» من الصلاة، لاحتضان الرئيس «السيسي»، وظل الأنبا «أرميا» الأسقف العام ممسكا بيد «السيسي»، وصعد به إلى جوار الكرسى البابوي، ليقف بجوار البابا «تواضروس الثاني»، وحينما همّ الرئيس ليمسك الميكروفون ليقول كلمته للأقباط، بدأت النساء بالزغاريد مرة أخرى، وتعالت الهتافات من جديد: «بنحبك يا ريس»، وسط تصفيق حاد، حيث صفق الحضور 12 مرة منذ دخول «السيسي» حتى مغادرته الكاتدرائية.
وأنهى الرئيس كلمته التى لم تستغرق دقائق، لحرصه على عدم قطع الصلاة، واستكمال قداس عيد الميلاد المجيد. وإلى نص الكلمة:
«كان ضرورى أن أحضر وأقول لكم: كل سنة وأنتم طيبين، وأرجو أن أكون مقطعتش عليكم الصلوات، عاوز أقولكم على حاجة: مصر على مدى آلاف السنين علّمت الإنسانية الحضارة، والعالم منتظر من مصر الكثير من الحب فى العام اللى احنا فيه واحنا كمان بنحبكم».
«وأشكر قداسة البابا، مهم جدا إن الدنيا تشوفنا فى حب، مينفعش حد يقول غير كده احنا المصريين بنحب بعضنا، احنا بنتكلم كلام بيسمعه العالم دلوقتى وبنفتح طاقة أمل على آلاف السنين، مصر علّمت الحضارة للعالم والحضارة انطلقت للعالم كله من هنا، من مصر، ولازم نقول احنا المصريين».
«وعاوز أقولكم: إن احنا إن شاء الله هنبنى بلدنا مع بعض وهنسمع بعض وهنحب بعض كويس وهنحب بعض بجد علشان الناس تشوف، عموما عاوز أقولكم عام سعيد عليكم وعلى المصريين كلهم وكل سنة وأنتم طيبين جميعا وقداسة البابا طيب ومتشكرين على الحب ده كله».
حالة من السعادة الممزوجة بالدهشة انتابت مستخدمى موقع التواصل الاجتماعى «تويتر» عقب الزيارة، وأشاد المغردون بهذه اللمسة الطيبة، التى جاءت من الرئيس «السيسي»، واحتل هاشتاج «السيسى فى الكاتدرائية» الصدارة على موقع التواصل الاجتماعى تويتر بعد دقائق من هذه الزيارة نتيجة التدوين الكثيف عليه
يوم الزيارة أبرزت وكالة «أسوشيتدبرس» الأمريكية احتفال أقباط مصر بعيد الميلاد، وسط إجراءات أمنية مشددة، وزيارة الرئيس «عبدالفتاح السيسي» للكاتدرائية المرقسية بالعباسية لتهنئة الأقباط فى عيدهم، موضحة أن الزيارة التى تتكرر للعام الثانى تحظى بتقدير مضاعف.
وقالت الوكالة: إن الأقباط الأرثوذوكس فى مصر توافدوا إلى الكنائس ليل الأربعاء لحضور قداس عيد الميلاد، فى الوقت الذى تواصل فيه الدولة محاربة الإرهابيين.
وتحدثت الوكالة عن زيارة الرئيس «عبدالفتاح السيسي» للكاتدرائية أثناء قداس عيد الميلاد، وقالت: إنه قدم اعتذارًا علنيًا نادرًا واعترافا بالهجمات التى استهدفت الأقباط وكنائسهم عقب ثورة 30 يونيو من قبل المتطرفين الإسلاميين .. وأبرزت قوله:كان هناك تأخير فى استعادة وإصلاح ما تم حرقه، لكن كل شيء سيتم إصلاحه من فضلكم تقبلوا اعتذارنا.
وشاهد المصريون على الهواء مباشرة كلمة الرئيس إلى شعب مصر وفى القلب منه الشعب القبطي، وكان اعتياديا أن يذاع القداس كل عام على القناة الثانية فى التليفزيون الرسمي، حتى أسماها السلفيون القناة القبطية تندرا !!
بادر الرئيس الأقباط فى القداس وفى البيوت الفرحة المستبشرة، قائلا: «كل سنة وانتوا طيبين، وأنا مش عاوز أعطلكم عشان قداسة البابا ميزعلش، اسمحولى أقول لكم كلمتين.. فى البداية بوجه لكم جميعا التحية والتقدير والاحترام، واسمحولى إنى أهنيكم، كل عام وانتم بخير.. كلنا بخير».
«السنة اللى فاتت قلنا عايزين نحب بعضنا بجد، ونحترم بعضنا بجد، يا رب نعرف نحب بعضنا بجد، وكل سنة وانتوا طيبين»، وقال ردا على الهتافات المحبة له داخل الكاتدرائية: «احنا بنحبكم جدا».
«عاوز أوصيكم وأوصى كل المصريين.. بالمناسبة دي: من فضلكم توقفوا أمام كلامى جيدا.. محدش أبدا يفرق بينا.. الموضوع ده مهم أوي، ومش أنا اللى هعمله بس، ده لازم نعمله كلنا، وكلنا لازم نرجع مش زى زمان، لأ وأكتر، احنا مع بعض.. يا رب يديم الحب بينا.. عاوز أوصيكم وأوصى نفسى وأوصى كل الموجودين هنا، ما فيش حاجة تؤذينا، لا ظروفنا الاقتصادية ولا حتى السياسية، ولا أى حاجة، أى حاجة ممكن نقدر عليها إلا إن احنا نختلف، وعاوز أقول لكم: إن ربنا سبحانه وتعالى سننه فى الوجود التنوع والاختلاف، مفيش حاجة واحدة غيره هو، لكن ربنا سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين «أديان.. أشكال.. ألوان.. لغات.. عادات.. تقاليد.. كل حاجة».
«محدش قدر ولا هيقدر يخلى الناس حاجة واحدة، محدش هيقدر على ده»، «كل سنة وانتو طيبين.. كل سنة وانتو طيبين». «احنا فى مصر، اللى علمت على مدار آلاف السنين البشرية الحضارة، بتعلم دلوقتى وتقول للناس تعالوا.. شوفوا انتو بتعملوا إيه، وبتقول للدنيا كلها، بس عقبال الدنيا كلها ما تسمعنا، وبعدين تعرف اللى بتسمعه مننا، وبعدين تنفذ اللى عرفته مننا، وبعدين ده يتحول لعادات وتقاليد بين الناس هياخد سنين طويلة».
حالة إنسانية خاصة
زيارة السيسى إلى الكاتدرائية كانت بمثابة زيارة لكل بيت مصري، مسح على الرؤوس، وربت على الظهور، حالة خاصة، تلقائية وإنسانية، فطرته سليمة تجاه إخوة الوطن، لم تلوث بفعل فاعل خرج يحرم تهنئة الأقباط بالعيد، ويفرض علينا ما لا نقبله على إخوتنا فى قلب حارتنا الضيقة، نحن نتقاسم اللقمة والهدمة والفرحة، حتى نتشاطر الأحزان، وجملتنا الأثيرة منيرة.. «نشاطركم الأحزان».
السيسى لا يستعرض بالحضور، ولا يروم شعبية، ولا يرسل رسائل خارجية، ولو حال ما يحول دون الذهاب، ما كان ينقص من محبة المصريين الطيبين للرئيس مثقال ذرة، هم من اختاروه على أعينهم، وهم نور عينيه، ولولا ظروف صعبة ومعقدة جاء فيها هذا الرجل إلى الحكم، لكانت المحبة عنوان حُكمه، هو من يبادرنا الحب، ويحب الحب فى أهله، ويبغض الكره فى أهله، السيسى فى الكاتدرائية بين أهله وناسه، بيته ومطرحه.
فى احتفالية المولد النبوى الشريف بمركز الأزهر الدولى للمؤتمرات (2015) فاجأ الرئيس الحضور وجلهم من مشايخ الأزهر والأوقاف المعممين بالطلب إليهم بتهنئة إخوتهم بعيد الميلاد المجيد، قائلا: «بكل حب وتقدير كل سنة وأنتم طيبين»، وأضاف: «إن هذا جزء من ديننا، فكلنا مصريون، وإذا كان لدينا هذا الكم من التراث والتعاون والتسامح فيجب أن نعمل به لاستيعاب جميع الأديان والطوائف، ويجب أن نعيد على أشقائنا الأقباط».
غيوم الخزن
يوم الأحد، 11 ديسمبر 2016، فجع المصريون بتفجير إرهابي، قُتل على إثره 29 شخصا وأصيب 31 آخرون فى الكاتدرائية المرقسية فى العباسية، بسبب عبوة ناسفة تزن 12 كيلوجراما.
كانت الأجواء القاهرية ملبدة بغيوم الحزن، وكان فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب ألغى احتفالات المولد النبوى (2016) تضامنا وحدادا على أرواح شهداء تفجير الكنيسة البطرسية، وتعالت أصوات تطلب إلغاء الاحتفالات .
كان يوم جمعة وليلة السبت، ودخل الرئيس «عبدالفتاح السيسي» الكاتدرائية للمرة الثالثة ممسكا بيد البابا «تواضروس الثاني»، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وسط زفة شمامسة الكنيسة، وغمره الأقباط بالورد طوال الطريق من باب الكنيسة وحتى الوصول إلى عتبة هيكلها المقدس.
وبمجرد ما نقلت الشاشات المعلقة بالكنيسة الكبرى بالكاتدرائية صورة الرئيس على باب المقر البابوى بصحبة البابا «تواضروس»، احتشد الأقباط فى ممر الدخول، ورفعوا تليفوناتهم المحمولة للفوز بلقطة حية لمشهد وصول الرئيس لكنيستهم. «السيسي» يصافح الأقباط فى الكاتدرائية.
وبعدما وَطِئَتْ قدم الرئيس أرض الكنيسة الكبرى بالكاتدرائية، علت الزغاريد حتى إنها تداخلت مع أصوات الترانيم والتراتيل الكنسية، ثم تسابق الجميع على قطف الفل المنظوم على جانبى ممر الدخول ليغمروا بها الرئيس السيسي، حتى إنه دخل الكنيسة وبقايا الفل الأبيض على كتفه ورأسه.
أما مقاعد النساء فاشتعلت بالتصفيق وتكاثرت فيها أعلام مصر الصغيرة، وهتفت السيدات: «بنحبك يا ريس.. بنحبك يا سيسي»، ورفعت إحداهن صورته فى منتصف الكنيسة، قبل أن يصل مع البابا «تواضروس» إلى مقدمة الكنيسة ويقف على أعتاب هيكلها المقدس ليلقى كلمته.
وأثناء إلقاء الرئيس كلمته التى وعد فيها بإنشاء أكبر كنيسة ومسجد فى العاصمة الجديدة، بل ومساهمته ماديا فى بنائهما، كان الجالسون فى مقاعد الرجال قرروا أن يعودوا للهتاف: «شكرا يا سيسي.. تحيا مصر»، وسط تصفيق حاد. وخلال تواجد الرئيس بالكاتدرائية، طالبه رجل بملابس ريفية أن يكمل معهم باقى صلاة القداس التى جاء الرئيس قبيل بدايتها ليفتتح به الأقباط قداس عيد ميلاد المسيح. واعتذر منه الرئيس مقبلاً جبينه.
وفى كلمته التى اتسمت بالود وبابتسامة مفعمة بالغبطة والسرور، قال السيسي: «ربنا يحميكم كلكم، وأوجه التهنئة والتحية والتقدير للحضور وسنة سعيدة علينا كلنا، إن شاء الله، والمشاعر الجميلة دى متبادلة، واحنا بنحبكم وكلنا واحد، ولازم تتأكدوا من ده، وزى دلوقتى السنة اللى فاتت وعدت بترميم الكنائس التى تضررت منذ 3 سنوات، والبابا لم يتحدث معى ولم يطلب أو يذكر شيئًا لى وهذا حق له ولكم، وأوفينا اليوم بأن كل الكنائس التى أضيرت تم ترميمها، باستثناء كنيسة فى المنيا وأخرى فى العريش، باقى بعض التشطيبات الخاصة بهما»، وهو الأمر الذى قابله الأقباط بالزغاريد والتصفيق.
أكبر مسجد وكنيسة
وتابع: «السنة الجايه هتبقى 50 سنة على الكاتدرائية، والسنة الجايه هتبقى فى العاصمة الجديدة أكبر كنيسة ومسجد فى مصر وأنا أول واحد هساهم فى بناء الكنيسة والمسجد، وسنحتفل بالافتتاح العام المقبل، فضلا عن مركز حضارى كبير، من أجل تعليم الناس أننا واحد، وأن التنوع ربنا خلقه، علشان نحترم هذا والاختلاف إرادة إلهية ومحاولة تغييرها غير معقول، ومصر إن شاء الله بينا كلنا هتشوفوها كل يوم بتطور وهنعلم الناس المحبة والأمان والاستقرار،
وهتشوفوا مصر حاجة عظيمة جدا، ولا نبغى غير السلام لينا ولغيرنا، وأى قبيح ليس له مكان بيننا والجمال هو ما سنقدمه فى مصر وللعالم كله، وبشكركم على حفاوة الاستقبال وربنا يحفظ كل المصريين ويحفظ بلدنا، والسنة القادمة سنحتفل بإنشاء صرح عظيم يعكس احترامنا لبعضنا البعض وديانات بعضنا البعض واختيارات بعضنا لبعض، وهنقدمها ونعيشها، وكل سنة وأنتم طيبين، وأنتهز تلك الفرصة وأقول يا رب أنا هنا فى بيت من بيوت الله احفظ مصر وأمن مصر ويارب الاستقرار لمصر وبلادنا ويا رب اغنينا بفضلك عمن سواك». وردد الأقباط هتافات «بنحبك يا ريس»، وهو يصافح قيادات الكنيسة ويتجه مغادرا الكنيسة.. لكنه لم يغادر قلوب الأقباط.
ولأن فقه المواطنة الرئاسية - كما تم تقديمه - لم يكن مجرد محاولة لتوصيف علاقة سياسية، بل كان محاولة لاستعادة الجوهر الأخلاقى للدولة الحديثة، فإن هذا النص يتقدّم خطوة أخرى فى الاتجاه ذاته؛ لا ليعيد شرح المفهوم، بل ليكشف طبقاته العميقة ، فحيث انتهى النص الأصلى عند حدود المعنى، يبدأ هذا الامتداد عند حدود الروح؛ عند اللحظة التى تتحوّل فيها المواطنة من انتماءٍ واعٍ إلى وعى مُنتم، ومن علاقة بالرئيس إلى علاقة بالزمن الوطنى نفسه.
لهذا يمكن أن نخلص إلى مجموعة من النتائج باعتبارها توسعة فى الدلالة لا تكرارًا لها، وبحثًا فى الأبعاد التى ظلّت كامنة خلف الكلمات لتوضح أن الجمهورية الجديدة: مواطنة، ذاكرة، ومشهد على النحو التالي:
1) المواطنة الرئاسية كإعادة هندسة للذاكرة الوطنية
الجمهورية الجديدة لم تُعِد بناء الكنائس والمعابد فقط، بل أعادت بناء «الصورة القديمة لمصر» التى حاولت جماعات الظلام محوها. أعادت للمصريين ذاكرة الجار قبل الدار، واللمة قبل التفرق، والسيرة المشتركة قبل الانقسام. إن المواطنة هنا ليست مجرد حقوق وواجبات، بل مشروع حى لاستعادة الذاكرة الوطنية، حيث يصبح الانتماء للكل الوطنى ممارسة يومية تتجاوز الطوائف والانقسامات.
ففى الجمهورية الجديدة، المواطنة لم تعد مجرد شعارات مكتوبة على الورق، ولا حقوق وواجبات تُعلّم فى المحاضرات. إنها أصبحت حاسة يُدركها المواطن فى حياته اليومية، تجربة حسية تنبض فى الطرق والمدارس والمستشفيات، وحتى فى صمت الشوارع المنظمة وحركة المرور التى تمنع الصدام العشوائي. هنا، يشعر الإنسان بالانتماء قبل أن يعرف قانونه، ويحس بالآخر قبل أن يفكر فيه.
هذه تجربة يومية تُغذى الذاكرة الجماعية، وتعيد للمصريين إحساسهم باللمة و«الجار قبل الدار»، وتجعلهم شركاء حقيقيين فى بناء وطن يختبره الإنسان فى جسده وروحه قبل أن يقرأ عنه فى الدستور. إنها مواطنة تُشعر، لا تُعلّم فقط، وفلسفة جديدة فى السياسة: أن الانتماء الوطنى يصبح إحساسًا حيًا، قادرًا على تثبيط الكراهية، وتعزيز التعاون، وإعادة إنتاج الوطن نفسه فى وعى الأجيال .
2) فقه المواطنة فى لحظة الأزمات - الوقاية قبل العلاج
لم تعد الدولة تنتظر الشرارة لتتصدى للأزمات الطائفية، بل أصبحت «تستبقها بالمحبة» قبل القوة، تمنع ولادة الفتنة قبل أن تظهر، فتختصر الزمن بين الخطر والوقاية، بين الانقسام والوحدة. هذا فقه جديد، حيث المواطنة تُصان فى لحظة الخطر، ويصبح حماية اللحمة الوطنية أسبق من مجرد احتواء الأزمة، لتتحول الدولة من معالجة صاعقة إلى منارة للوقاية. هنا المواطنة ليست مجرد التزام بالقانون، بل ثقافة استباقية للسلام الاجتماعي، فقه يعلمنا أن حماية الوطن تبدأ من المحبة اليومية بين الناس، قبل أن تبدأ من الأوامر الرسمية أو الإجراءات الأمنية.
3) الرمزية السياسية للمشهد - فلسفة الصورة
كل مشهد للرئيس، مثل وقوفه السنوى فى الكاتدرائية، ليس مجرد صورة للاستهلاك الإعلامي، بل فلسفة سياسية ودينية واجتماعية. فالصور السياسية تتحدث بصوت أعلى من الكلمات أحيانا وتعكس فلسفة سياسية_دينية_اجتماعية، رسالة تقول: إن الدولة ليست مجرد سلطة، بل حاضنة للوطن كله..
فى حضرة الدولة، تصدح الكنيسة، ويصغى الجميع، لتصبح الرسالة واضحة: المواطنة تتجسد فى التلاحم والاحترام المتبادل، وتُقرأ فى كل حركة وسلوك، فتتحول الصور إلى خطاب سياسى حي، يُترجم القيم الوطنية إلى رؤية محسوسة، ويسمع صدى الوحدة الوطنية، ويعلم الجميع أن احترام الآخر ليس شعارات فقط، بل طقوس سياسية تمارس يوميا.
4) مواطنة البنى التحتية - مفهوم جديد تمامًا
المواطنة لا تقف عند الكنيسة أو المسجد، بل تمتد إلى المستشفيات التى يخدم فيها مسلم ومسيحى معًا، وإلى المدارس التى يجلس فيها الأطفال من كل الأطياف، وإلى الطرق والكبارى التى تربط القرى المختلفة. إن الجمهورية الجديدة تجعل كل منشأة عامة حاملة لقيم الانتماء والوحدة، فتصبح البنى التحتية جسورًا حية بين المواطنين، وتجربة عملية للمواطنة الحقيقية، لا مجرد شعارات.. هذه البنى التحتية ليست مجرد خدمات، بل فضاءات لتربية الانتماء والمواطنة، وتجعل كل مواطن جزءا حيا من نسيج الوطن، يشعر به قبل أن يقرأ عنه، ويعيشه قبل أن يكرره فى الخطابات.
5) الجمهورية الجديدة كتحرير للفضاء العام من الكراهية
الجمهورية الجديدة أعادت نقاء الفضاء العام من كل أشكال الكراهية والخطاب المتطرف.. لقد اختفت لغة الكراهية من المنابر والإعلام، وانكسرت مدرسة التشدد الصوتي.. أصبح الفضاء العام طاهرًا من دعاة الفتنة، لتصبح مصر نموذجًا حيًا لتحرير الخطاب من التعصب، والممارسة اليومية من الانقسام، والمشهد السياسى من الصراع الطائفي..
وهنا، تتحول المواطنة إلى تجربة حضارية، حيث الاحترام والتعاون هما القاعدة، والكراهية والتفرقة هما الاستثناء..
حيث أصبحت لغة الدولة هى الحوار والاحترام، وأنشطتها التعليمية والثقافية تعمل على إطفاء التشدد قبل أن يشعل الفتنة.. هذا التحرير، ليس مجرد فعل سياسي، بل فلسفة ثقافية وأخلاقية تجعل المواطنة تجربة نزيهة، يشارك فيها كل المصريين دون خوف من التهديد أو الانقسام.
6) مواطنة المستقبل - رؤية تُبشر بما لم يأتِ بعد
كيف ستبدو مصر بعد عشرين عامًا؟ كيف سيتعامل أطفال اليوم مع وطنهم ودينهم والآخر؟ المواطنة هنا تتجاوز الحاضر لتصبح رؤية للأجيال القادمة، تجربة شعورية وفلسفية تجعل الإنسان يشعر بالانتماء ويختبر دوره فى وطنه منذ صغره، ويعيش فى عالم لا يحكمه الانقسام، بل يشترك فيه الجميع بوصفهم أصحاب حق وضمير.
ختاما، الجمهورية الجديدة ليست مجرد شعارات أو مشاريع ملموسة، بل تجربة حية لإعادة هندسة الذاكرة الوطنية. إنها مواطنة تُصنع فى اللحظة، حيث تعود الصورة الحقيقية لمصر، صورة الجار قبل الدار، واللمة قبل الانقسام، والسيرة المشتركة قبل التشرذم.
الدولة لم تعد تنتظر الأزمات لتتصدى لها، بل تمنع شرارتها قبل أن تولد، مستبقةً المواطنة بالحب قبل القوة، والوعى قبل القانون.
كل مشهد، من وقوف الرئيس أمام الكاتدرائية إلى مرور المواطن فى الطريق والمدرسة والمستشفى، يروّج لفلسفة جديدة: المواطنة ليست شعارات، بل ممارسة يومية وحياة مشتركة، حيث تختفى لغة الكراهية، ويزدهر الاحترام، وتتحرر البنى التحتية من أى تقسيم، لتصبح امتدادًا حيًا للقيم الوطنية.
والأهم، أن الجمهورية الجديدة لا تصنع اليوم فحسب، بل المستقبل، أطفال اليوم، مواطنى الغد، سيعرفون وطنهم فى كل تفاصيل حياتهم، وسيعيشون قيمه قبل أن يقرؤوها فى الكتب. إنها لحظة تاريخية، حيث يصبح الوطن رسالة، والمواطنة فقهًا، والذاكرة الوطنية جسرًا بين الماضى والحاضر والمستقبل، لتظل مصر فى قلب كل مواطن، متجددة وقوية، بلا كراهية، بلا انقسام، وبكل أصالة حضارية.
السيسى يشهد اليمين القانونية لرؤساء الهيئات القضائية الجدد
اقتصاديون: ثروة طبيعية يجب الاستفادة منها كصناعة سياحية متكاملة
المحافظ: ركيزة لبناء مجتمعات متكاملة إعادة رسم الخريطة السكانية بالمنيا





