فى التقييمات الإسرائيلية للتفاهمات الإيرانية - الأمريكية هناك شعور سائد بأن تل أبيب «شربت المقلب» وأنها خسرت وزنًا استراتيجيًا مهمًا فى المنطقة، وأن إسرائيل عالقة فى واقع جيو- سياسى معقد فى الشرق الأوسط، ومن المشكوك فيه أن يتغير هذا الوضع. بل إنه قد يزداد تعقيدًا على الساحة الدولية وفى الرأى العام الأمريكى وفى أوروبا. وأن اختيار الدوحة لتكون مقرًا للمفاوضات الأخيرة معناه أن إسرائيل خارجة من المعادلة وقطر داخلة.
وفى حسابات المكسب والخسارة الإسرائيلية دائمًا هناك رصد للإنجازات متبوعة بكلمة «ولكن....» فمثلًا يعتبرون أن إحدى النتائج الإيجابية للحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران هو تأخير البرنامج النووى من 3 إلى 5 سنوات (لكن اليورانيوم لا يزال موجودًا)، أو أنه تم تحييد الدفاعات الجوية الإيرانية (لكن يمكن استعادتها). أو إحباط خطة لإنتاج آلاف الصواريخ الباليستية التى كانت ستشكل «قنبلة ذرية صغيرة» (لكن التهديد للمدن الإسرائيلية لا يزال قائمًا). أما الإنجاز الرئيسى فى تلك التقديرات هو تدمير الصناعات الدفاعية، الأمر الذى سيؤخر إعادة الإعمار لفترة طويلة (لكن مذكرة التفاهم التى وقّعها ترامب خفضت من مكانة إسرائيل الاستراتيجية إلى أدنى مستوى).
هكذا وجدت إسرائيل نفسها فى وضعها الحالى: تنتظر اتفاقًا لم تُعرف تفاصيله بالكامل بعد، ولكنه يشمل تخفيف العقوبات على إيران، وتتعرض لهجمات من قبل وكلاء إيرانيين، وردود فعلها العسكرية محدودة - والأسوأ من ذلك كله، أنها فى صراع علنى ومرير مع حليفها الوحيد فى العالم.
فعندما يتحدث ترامب عن حق إيران فى امتلاك صواريخ باليستية، وهو حق تمتلكه دول أخرى أيضًا، وعن قدرة سوريا بقيادة أحمد الشرع على مواجهة حزب الله، فإن ذلك يُعد ضربة قاسية لإسرائيل. فى حين عجز نتانياهو عن ترجمة الإنجازات العسكرية الكبيرة التى حققها الجيش الإسرائيلى والموساد والمخابرات العسكرية إلى إنجاز سياسى ملموس ضد إيران، لأن عمليات الاغتيال العديدة التى استهدفت علماء نوويين، والنخبة الإيرانية، وقصف المدن النووية، وإلحاق الضرر بالمشروع النووى الإيرانى، وغيرها، كلها بقيت إنجازات تكتيكية بحتة، ولم تُفضِ إلى إجراءات سياسية تُلحق ضررًا حقيقيًا بقدرة إيران على التحرك ضد إسرائيل، أو وقف مشروعها النووى، أو تغيير النظام فى إيران. الخلاصة كما كتبها أحد المعلقين الإسرائيليين هى: «أن ترامب يرسم أمام أعيننا شرق أوسط جديدًا تكون فيه إيران قوة إقليمية بكل المقاييس، وإلى جانبها، وبنفس القدر من الأهمية، الدولة «المعقدة» قطر.
فقد سلطت المحادثات بين طهران وواشنطن، التى توسطت فيها قطر، الضوء على عملية مقلقة لإسرائيل، لا تقل خطورة عن تعزيز إيران لنفوذها أن قطر، باتت لاعبًا محوريًا فى نظر البيت الأبيض وفريق ترامب.
التفسير الأرجح لدى فلاسفة السياسة الإسرائيلية أن هذا الوضع يرتبط بالمصالح الاقتصادية وحسب ولكن النتيجة هى أن تلك الدولة هى التى تُوجّه الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة.
وفى الحسابات الإسرائيلية قد يكون لهذا التطور عواقب وخيمة وكارثية على الواقع فى لبنان وغزة واليمن وغيرها. إذ من المشكوك فيه، فى ضوء الاتفاق الأمريكى الإيرانى برعاية قطر، أن تتمكن الحكومة اللبنانية المناهضة لحزب الله من مواصلة العمل ضد هيمنة هذه المنظمة الشيعية.
بل على العكس، ستتدفق الأموال الإيرانية الآن بقوة أكبر، وفى ظل وقف إطلاق النار الذى قد يُقيّد أيدى تل أبيب، من المتوقع أن يتعافى حزب الله سريعًا.
وأن يشهد الحوثيون انتعاشًا جديدًا فى اليمن، وينطبق الأمر نفسه على غزة .
حيث من الصعب تصور أن الإدارة الأمريكية، التى تُولى اهتمامًا كبيرًا لقطر، ستمنح إسرائيل الضوء الأخضر للتحرك بحرية ضد إعادة بناء حماس لبنيتها العسكرية فى القطاع .

( ثالوث) فى أزمة
عقل الثورة
رأسمالية المونديال الممتعة





