لم تبدأ «30 يونيو» فقط فى الميادين المزدحمة ولا بين هتافات الملايين،بل انطلقت كذلك من مقر وزارة الثقافة بالزمالك، حيث تحولت المكاتب والقاعات إلى ساحة مواجهة مفتوحة دفاعًا عن هوية مصر وذاكرتها.
اصطف الفنانون والمفكرون والأدباء فى اعتصام استثنائى رفضًا لمحاولات «أخونة» الثقافة وتزوير الهوية، ليمتزج الشعر بالمقاومة، والموسيقى بالاحتجاج، وتصبح الوزارة منبرًا وطنيًا أشعل شرارة الغضب الشعبى، ومهد الطريق لواحدة من أكثر الثورات تأثيرًا فى التاريخ المصرى الحديث.
اللواء هشام فرج، وكيل وزارة الثقافة الأسبق للأمن يروى فى شهادة حية ومليئة بالأسرار تفاصيل الاعتصام التاريخى الذى امتد لقرابة الشهر، كاشفًا عن كواليس اللحظات الأخيرة التى سبقت الانفجار الشعبى العارم فى 30 يونيو.
الأسباب المباشرة للاعتصام
«معركة المثقفين لم تكن مجرد خلاف إدارى، بل كانت معركة وجودية لاستعادة الهوية المصرية»، يقول اللواء هشام فرج وهو يشير إلى نقطة التحول مع تعيين وزير الثقافة الإخوانى آنذاك، علاء عبد العزيز، الذى بدأ مهامه بسلسلة من الإقالات التعسفية والشرسة التى طالت أبرز رموز وقامات الثقافة والمسئولين بقطاعات الوزارة، من بينها رئيس الهيئة العامة للكتاب، ورئيس دار الأوبرا المصرية، ورئيس قطاع الفنون التشكيلية، ووكيل أول الوزارة.
تلك القرارات، وفقًا لوصف اللواء فرج، لم تكن مجرد إعادة هيكلة، بل خطة لتجريف العقل المصرى وتغيير ثقافة وهوية البلاد وإحلال عناصر تابعة للجماعة، ما أثار غضبًا عارمًا وسط جموع المثقفين والفنانين.
ويكشف فرج اللحظات التى سبقت اقتحام مكتب الوزير وإعلان الاعتصام، حيث تجمع عدد كبير من الرموز الفنية والأدبية خارج مبنى الوزارة، وكان من بين الحاضرين المخرج خالد يوسف، والفنان جلال الشرقاوى، والروائى بهاء طاهر، والكاتب فتحى إمبابي، والمنتج محمد العدل، والفنانة نادية لطفى، والأديب جمال الغيطاني، وسامح الصريطي، وحلمى النمنم، ومحمد سلماوى، وغيرهم من قادة الرأى والفكر.
تولى قطاع الأمن بالوزارة حماية الفنانين والأدباء ومنع أى محاولات للتعرض لهم. وفور دخولهم، تم إعلان الاعتصام المفتوح فى مكتب الوزير، رافعين شعارًا واحدًا: «إقالة وزير «الإخوان» من أجل الحفاظ على الهوية المصرية».. تحولت أروقة وزارة الثقافة ومحيطها، وتوافد المبدعون لتقديم عروض مجانية؛
حيث عزف الموسيقار نصير شمة على عوده، كما شهد الشارع عروضًا مذهلة لفرق الباليه بدار الأوبرا، وحلقات قراءة الشعر والندوات الفكرية التى جذبت آلاف المواطنين يوميًا إلى مقر الاعتصام بالزمالك، ولكن يؤكد اللواء فرج أن المثقفين تعرضوا لتهديدات مستمرة وضغوط سياسية وأمنية مكثفة من الأجهزة الإخوانية لإجبارهم على الإخلاء، بالإضافة إلى حصار المجموعات الموالية للجماعة للمبنى فى محاولة لاقتحامه والاعتداء على المثقفين، إلا أن الصمود والتلاحم، وتأمين وكيل الوزارة ورجال الأمن الشرفاء للمبنى، حال دون فض الاعتصام.
ويضيف: اعتصام المثقفين كان بمثابة شرارة البدء الحقيقية والقوة الدافعة لثورة 30 يونيو، نجح فى كسر حاجز الخوف لدى قطاعات واسعة من الشعب المصرى، ونقل الاحتجاج من النخبوية إلى الجماهيرية حيث أدرك المواطن البسيط من خلال صمود علمائه ومثقفيه وفنانيه أن معركة الدفاع عن الوطن قد بدأت بالفعل،
ويختتم بقوله: هذا الاعتصام كان هو «البروفة الختامية» والملهم الرئيسى الذى مهد الأرض، وشحذ الهمم، وجمع الشارع حول هدف واحد، لتبدأ من بعده الحشود المليونية بالتدفق فى الميادين معلنة انطلاق ثورة يونيو المجيدة لاسترداد الوطن.
كاريكاتير| حالة طلاق كل ١٢٠ ثانية !
محطة فارقة ونقطة تحول
برّ الأمان| وطن مستقر ومواطن مكرّم.. ثنائية الحزم والعدالة فى عقيدة «الداخلية»





