مثّلت ثورة 30 يونيو نقطة تحول فارقة فى تاريخ الدولة المصرية والمنطقة بأسرها، ليس فقط لأنها أنهت حكم جماعة الإخوان، بل لأنها كشفت مبكرًا طبيعة المشروع الذى تبنته الجماعة وأهدافه السياسية، لتدخل مصر فى مواجهة شاملة مع التنظيم الذى اعتبرته تهديدًا لاستقرار الدولة الوطنية ووحدة المجتمع.
مصر التى اكتوت عقودًا بنيران الإرهابية كانت سبّاقة فى اتخاذ موقف حاسم تجاه الجماعة عندما صنفتها تنظيمًا إرهابيًا، فى خطوة عكست قراءة مبكرة للمخاطر المرتبطة بأفكارها وأنشطتها. ولم يقتصر تأثير هذا القرار على الداخل المصرى، بل امتد إلى محيطه الإقليمى والدولى، حيث تبنت دول أخرى سياسات وإجراءات مماثلة تجاه الجماعة وفروعها، بعدما أدركت التحديات الأمنية والسياسية المرتبطة بها.
ومع مرور السنوات، اكتسبت الرؤية المصرية مزيدًا من الزخم، إذ اتجهت عدة دول إلى تشديد إجراءاتها ضد الجماعة أو تصنيفها ضمن التنظيمات المتطرفة، وهو ما اعتبره كثيرون تأكيدًا على صواب التقدير المصرى المبكر. وبذلك لم تكن 30 يونيو مجرد محطة فى التاريخ السياسى المصرى، بل بداية مرحلة جديدة رسخت دور مصر فى مواجهة التطرف، وأعادت التأكيد على مكانتها كدولة قادرة على استشراف المخاطر والتعامل معها قبل اتساع دوائر تأثيرها.
د. نائلة جبر، مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب.
أكدت أن مصر كانت صاحبة الموقف الاستباقى والأكثر وضوحًا فى مواجهة خطر جماعة الإخوان، عندما أعلنت فى ديسمبر 2013 تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابى، استنادًا إلى ما شهدته البلاد من أعمال عنف وتحريض واستهداف لمؤسسات الدولة والمواطنين. وأوضحت أن هذا القرار لم يكن مجرد إجراء أمنى، بل كان تعبيرًا عن إدراك مبكر لطبيعة المشروع الذى تتبناه الجماعة وخطورته على الدولة الوطنية واستقرار المجتمعات.
وأضافت أن السنوات التالية أثبتت صحة الرؤية المصرية، إذ اتجهت عدة دول إلى اتخاذ مواقف مماثلة، من بينها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، التى صنفت الجماعة تنظيمًا إرهابيًا، كما اتخذت دول أخرى إجراءات مشددة بحق أنشطتها وشبكاتها. وأشارت إلى أن هذا التوجه الدولى المتنامى عكس اقتناعًا متزايدًا بأن الجماعة تمثل تهديدًا للأمن والاستقرار فى المنطقة، وأن التحذيرات المصرية لم تكن مبالغة أو تقديرات سياسية عابرة، بل قراءة دقيقة للواقع.
وأوضحت جبر أن العالم بدأ يدرك متأخرًا ما حذرت منه مصر منذ سنوات، وهو ما تجسد فى قرارات وإجراءات دولية متتالية تجاه الجماعة وفروعها، مؤكدة أن هذه الخطوات تمثل اعترافًا دوليًا متأخرًا بصواب الموقف المصرى، وتبرهن على أن الدولة المصرية كانت فى مقدمة الدول التى تنبهت إلى مخاطر توظيف الدين فى العمل السياسى واستخدام التنظيمات العابرة للحدود لتهديد استقرار الدول الوطنية.
وأضافت مساعد وزير الخارجية الأسبق أن مصر نجحت فى استعادة مكانتها السياسية والدبلوماسية منذ ثورة يونيو، مؤكدة أن هذه المرحلة مثلت نقطة انطلاق جديدة للشرق الأوسط بعد كشف حقيقة مشروع جماعة الإخوان الإرهابية. وأشارت إلى أن نجاحات السياسة الخارجية المصرية تجلت فى دوائر متعددة، أبرزها الدائرة الإفريقية والعربية والمتوسطية، حيث استطاعت الدبلوماسية المصرية تحقيق حضور فاعل ومتوازن يقوم على الحوار واحترام سيادة الدول، مع الحفاظ على المصالح الوطنية المصرية كأولوية قصوى.
وقالت إن هذه النجاحات امتدت كذلك إلى الدائرة الأوروبية، وهو ما انعكس فى تطوير العلاقات الاستراتيجية مع أوروبا، مؤكدة أن النموذج الدبلوماسى المصرى أصبح نموذجًا يُحتذى به فى الوساطة وحل النزاعات، وهو ما انعكس بوضوح فى الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبى.
وأكدت جبر أن الإرادة الشعبية كانت العامل الحاسم فى مواجهة الجماعة، بعدما أدرك المواطن المصرى أن هذه الجماعة لا تسعى إلا لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب المصلحة الوطنية. وأضافت أن الشعب المصرى وقف وقفة صلبة ضد هذا التوجه، وهو ما أدى إلى نهاية وجود الجماعة فى المشهد السياسى المصرى.
كما شددت على أن الحديث عن انتهاء الجماعة بشكل كامل ليس دقيقًا، إذ قد تظل هناك محاولات لإعادة إنتاج الأفكار نفسها، وهو ما يتطلب استمرار التلاحم الوطنى والوعى الشعبى للحفاظ على الاستقرار. واختتمت بالتأكيد على أن ثورة 30 يونيو كانت نقطة تحول تاريخية ضمنت لمصر الحفاظ على استقرارها ووحدة شعبها ومكانتها الإقليمية والدولية، كما مكنتها من الانطلاق نحو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومواجهة التحديات التى أعقبت أحداث 2011.
من جانبه، قال د. جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، إن موقف مصر من جماعة الإخوان تحدد مبكرًا منذ ظهورها وبداية تورطها فى أعمال عنف سياسية، بدءًا من اغتيال المستشار أحمد الخازندار ورئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى، ثم صدور قرار حل الجماعة لأول مرة. وأضاف أنه بعد ثورة يوليو 1952 دخلت الجماعة فى صدام مع الدولة، ما أدى إلى صدور قرار الحل الثانى عقب حادث المنشية.
وأوضح شقرة أن الجماعة كشفت مع مرور الوقت عن أيديولوجيتها وطموحها السياسى للوصول إلى السلطة، الأمر الذى جعل قطاعًا كبيرًا من المصريين يعيد تقييم موقفه منها. وأشار إلى أن جزءًا من الشعب كان يعتقد أن الجماعة ذات طبيعة دعوية ودينية فقط، لكن أحداث ما بعد يناير 2011 وتجربة الحكم خلال عام واحد دفعت المصريين إلى إعادة النظر فى هذه الصورة، لتنطلق بعدها ثورة 30 يونيو التى أنقذت الدولة المصرية من مخاطر الفوضى والإرهاب.
وأكد أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر أن الثورة فتحت الطريق أمام بناء الجمهورية الجديدة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى، حيث شهدت مصر طفرة فى مجالات النقل والمواصلات والصناعة والزراعة والرى وإنشاء المدن الجديدة والقضاء على العشوائيات. وأضاف أن حجم المشروعات القومية التى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية أحدث تغيرات كبيرة فى خريطة التنمية المصرية وأسهم فى بناء بنية تحتية حديثة تدعم خطط التنمية المستقبلية.
وأشار شقرة إلى أن ثورة 30 يونيو والرئيس عبد الفتاح السيسى لا يزالان يواجهان تحديات جسيمة فى ظل استمرار التهديدات المحيطة بالدولة المصرية، وهو ما يتطلب استمرار تماسك الجبهة الداخلية ووقوف الشعب صفًا واحدًا خلف مؤسسات الدولة. كما أكد أن مواجهة الجماعات الأيديولوجية لا تعتمد على الحلول الأمنية فقط، بل تتطلب أيضًا مواجهة الأفكار المتطرفة عبر نشر الوعى وتجديد الخطاب الدينى وتعزيز قيم الدولة الوطنية.
واختتم شقرة تصريحاته بالتأكيد على أن التحدى الأهم يتمثل فى مواجهة الأفكار المغلوطة التى تسيء إلى الدين الإسلامى وتوظفه لأغراض سياسية، مشيرًا إلى أن التاريخ أثبت أن الانتصار على الفكر المتطرف لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما بالوعى والتنوير وبناء الإنسان، وهو ما يجعل معركة الوعى أحد أهم مكاسب ثورة 30 يونيو وإحد الضمانات الرئيسية لاستمرار استقرار الدولة المصرية ومواصلة مسيرة التنمية والبناء.
كاريكاتير| حالة طلاق كل ١٢٠ ثانية !
محطة فارقة ونقطة تحول
بروفة للثورة| اعتصام المثقفين.. رقصة الموت الأخيرة للهوية المزيفة





