فى لحظات التاريخ الفاصلة، لا يقاس الزمن بعقارب الساعات، بل بحجم الخطر الذى يقترب من الأوطان، وهكذا كانت مصر فى صيف 2013، شوارع تغص بالملايين، ومشهد سياسى يزداد احتقانًا، ودولة تقف عند مفترق طرق..
وبين هدير الميادين والقلق على المستقبل، برزت القوات المسلحة باعتبارها المؤسسة الوحيدة القادرة على الإمساك بخيوط اللحظة الحرجة، لتبدأ واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا فى تاريخ مصر الحديث؛ تمتزج فيها إرادة الجماهير بحسابات الدولة.
منذ انحياز الجيش لمطالب الحركة الوطنية التى مهدت لثورة يوليو 1952، مرورًا بدوره فى حماية الجبهة الداخلية خلال سنوات الصراع مع العدو الإسرائيلى، ثم وقوفه إلى جانب الإرادة الشعبية خلال أحداث يناير 2011 ورفضه الانخراط فى مواجهة مفتوحة مع المواطنين، وصولًا إلى ثورة 30 يونيو 2013، التى وصفت بثورة الإنقاذ وتصحيح المسار، ظل الجيش المصرى حاضرًا باعتباره صمام أمان وركيزة أساسية لاستقرار الدولة وحماية كيانها الوطنى.
فى الثلاثين من يونيو 2013، خرج ملايين المصريين إلى الميادين والشوارع فى مختلف المحافظات، فى واحدة من أكبر الحشود الشعبية التى شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، مطالبين بتصحيح مسار الدولة وإنهاء حالة الانقسام والاستقطاب السياسى واستعادة هوية الدولة.
تابعت القيادة العامة للقوات المسلحة بدقة حالة الاحتقان السياسى التى تصاعدت بصورة غير مسبوقة، فقد اتسعت الفجوة بين حكم جماعة الإخوان الإرهابية والشارع المصرى، وتزايدت المخاوف من انزلاق البلاد إلى صدامات تهدد الأمن والاستقرار، وفى تلك الأثناء،
أكدت المؤسسة العسكرية فى أكثر من بيان وتصريح أنها لا تنحاز إلى أى تيار سياسى أو فصيل حزبي، وأن ولاءها الأول للشعب المصرى، كما شددت على أنها لن تسمح بانهيار مؤسسات الدولة أو المساس بالأمن القومى المصري، ما عكس إدراكًا مبكرًا لحجم المخاطر التى كانت تلوح فى الأفق، ومع اتساع الدعوات للتظاهر، بدأت القوات المسلحة اتخاذ إجراءات احترازية لتأمين المنشآت الحيوية والاستراتيجية، بما يضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة وحماية المواطنين فى حال تصاعد الأحداث.
وفى الأول من يوليو 2013، أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانها التاريخى الذى منح القوى السياسية مهلة 48 ساعة للتوصل إلى توافق وطنى يستجيب لمطالب الجماهير ويحافظ على وحدة الدولة، كمحاولة أخيرة لمنح القوى السياسية فرصة لمعالجة الأزمة عبر الحوار والتفاهم، وأكدت القوات المسلحة فى بيانها أنها لا ترغب فى أن تكون بديلًا عن الإرادة الشعبية أو العملية السياسية، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدى إذا تعرضت الدولة لخطر الانهيار، وقد رأى كثير من المراقبين والسياسيين أن تلك المهلة جسدت أقصى درجات ضبط النفس والمسئولية الوطنية، إذ منحت الأطراف كافة فرصة كاملة للتوافق قبل اتخاذ أى إجراءات استثنائية.
ومع انتهاء المهلة دون التوصل إلى تسوية سياسية، وفى ظل استمرار الحشود الجماهيرية غير المسبوقة، ومع تصاعد أعمال العنف من قبل أنصار جماعة الإخوان الإرهابية، أعلنت القوات المسلحة فى الثالث من يوليو 2013 خارطة طريق للمرحلة الانتقالية بحضور ممثلين عن الأزهر الشريف والكنيسة المصرية والقوى السياسية والشبابية ومؤسسات الدولة، وتضمنت خارطة الطريق تعطيل العمل بالدستور بصورة مؤقتة، وإسناد إدارة شئون البلاد إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا، تمهيدًا لإطلاق عملية سياسية جديدة تستند إلى انتخابات واستحقاقات دستورية لاحقة.
وفى مشهد ما زال حاضرًا فى الذاكرة الوطنية، حلقت الطائرات العسكرية فوق ميدان التحرير وقصر الاتحادية وعدد من الميادين الكبرى رافعة الأعلام المصرية، فى رسالة حملت معانى الطمأنينة والدعم للمواطنين المحتشدين فى الشوارع، كما لعبت القوات المسلحة دورًا محوريًا فى منع وقوع أى مواجهات بين أنصار الجماعة الإرهابية والشعب، وأسهم انتشارها المكثف فى الحد من محاولات استهداف المتظاهرين أو الاعتداء على المنشآت العامة والخاصة.
لم تنتهِ التحديات بإعلان خارطة الطريق،
حيث شهدت البلاد موجة من الاضطرابات الأمنية وأعمال العنف استهدفت مؤسسات الدولة ومنشآتها الحيوية، إلى جانب هجمات طالت أقسام الشرطة والكنائس والمرافق العامة فى عدد من المحافظات، وأمام هذه التحديات، تحركت القوات المسلحة على أكثر من محور فى وقت واحد؛ فمن ناحية عززت انتشارها لتأمين المدن والمنشآت الاستراتيجية والمجرى الملاحى لقناة السويس، ومن ناحية أخرى بدأت مواجهة طويلة مع التنظيمات الإرهابية والعناصر المسلحة، خصوصًا فى شمال سيناء.
وخاض رجال القوات المسلحة والشرطة خلال السنوات التالية معارك شرسة ضد الإرهاب، قدموا خلالها تضحيات كبيرة من الشهداء والمصابين دفاعًا عن أمن الوطن واستقراره، وأسهمت تلك الجهود فى استعادة السيطرة على المناطق التى شهدت نشاطًا إرهابيًا، وحماية مؤسسات الدولة من محاولات الاستهداف والتخريب، ويرى كثير من المراقبين أن نجاح مصر فى عبور تلك المرحلة المضطربة والانتقال نحو حالة أكثر استقرارًا يعود إلى قدرة مؤسسات وأجهزة الدولة المصرية، وفى مقدمتها القوات المسلحة، على الحفاظ على تماسك الدولة ومنع انهيارها فى وقت كانت فيه المنطقة بأسرها تعيش اضطرابات غير مسبوقة.
تعاون مع فرنسا لعلاج أطفال غزة المصابين بالسرطان
بدء إجراءات تحويل 1.1 مليون عداد كودى إلى قانونية
إنقاذ سيدة من ورم بالمخ بمجمع الأقصر الطبى






