د. خالد سعيد
تواصل إسرائيل احتلال بعض الأراضى فى لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى سيطرت عليها خلال الحرب بين عامى 2023 و2024، فى وقت تشن تل أبيب عدوانًا جديدًا على الأراضى اللبنانية منذ الثانى من مارس الماضى، أسفر عما يزيد عن 4تآلاف شهيد و12 ألفًا ما بين مصاب وجريح، وهو العدوان الذى نتج عنه نزوح أكثر من مليون لبنانى من منازلهم.
وقبيل وحتى بعد الإعلان الأمريكى عن توقيع لبنان وإسرائيل الاتفاق الإطارى بينهما_ عقب جولة خامسة من المفاوضات فى العاصمة الأمريكية واشنطن_ تعمدت القيادة السياسية الإسرائيلية التشديد على عدم الانسحاب من الأراضى اللبنانية، ومواصلة العمل ضد "حزب الله"، بل واستمرار تنفيذ الترتيبات التى تحدث عنها الجيش الإسرائيلى بشأن جنوب لبنان.
وخروجًا عن الإطار التقليدى أكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية أن إسرائيل فى طريقها إلى انسحاب جزئى من جنوبى لبنان، خلافا لتصريحات القيادة السياسية، خاصة وأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد صرح بأن بلاده "ستبقى هناك".
واتفق معه يسرائيل كاتس وزير الدفاع، على أن الجيش لن ينسحب من المنطقة العازلة فى جنوبى لبنان "حتى فى حال تعرضه لضغوط أمريكية"، فى وقت ينص الاتفاق الإطارى بين بيروت وتل أبيب على إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية ثلاثية للبنان، بما يتيح لإسرائيل ولبنان تنفيذ بنود الاتفاق الإطارى، والتى تعنى الانسحاب الكامل من الأراضى اللبنانية، مما يعنى وجود حالة من التناقض الإسرائيلى حيال الوضع فى الجنوب اللبنانى.
القيادة السياسية فى بيروت أعربت عن ترحيبها بالاتفاق ورأت أنه سيتيح للبنان السيطرة على أراضيها فى الجنوب بعد الانسحاب الإسرائيلى منها، ولكن الفرق بين تصريحات القيادات السياسية الإسرائيلية واللبنانية تتعلق بمدى نجاح بيروت فى السيطرة على المناطق المفترض أن ينسحب منها الجيش الإسرائيلى، وهى المناطق التى تعرف بـ"المناطق التجريبية"، لتشير وسائل إعلام عبرية إلى أن إسرائيل ستنسحب من منطقة محدودة يسيطر عليها الجيش حاليا، ليحل محله الجيش اللبنانى، وهى مناطق يقع جزء منها جنوب نهر الليطانى.
المناطق الواقعة جنوب نهر الليطانى اللبنانى كان يعتبرها إيتمار بن غفير وزير الأمن القومى الإسرائيلى مناطق يجب السيطرة عليها واحتلالها والبقاء فيها، بزعم أنها تقع ضمن "إسرائيل الكبرى"، فكان طبيعيا أن يرى الاتفاق الإطارى بين بلاده وبيروت "خطأ كبيرا"، معتبرا أن السلطات اللبنانية لن تتمكن من نزع سلاح "حزب الله".
وتمادى بن غفير فى الأمر حينما صرح قائلا: "يجب أن يحترق لبنان بكامله"، مرفقا تصريحه بجملة "مع كل احترامنا للأمريكيين"، وكأنه لا يعير أى اهتمام بالاتفاق الذى وُقِع فى العاصمة واشنطن، كما أنه سبق الاتفاق بتصريح آخر أشد وأنكى حينما قال: "فى مقابل كل دمعة تذرفها أم إسرائيلية يجب أن تبكى ألف أم لبنانية" مضيفا: "يجب أن نكون مجانين، أن نقضى على العدو، وأن نهزم الإرهاب".
انضم إليه زميله ومنافسه فى اليمين الإسرائيلى المتطرف بتسلئيل سموتريتش وزير المالية الإسرائيلى، حينما ذكر أنه "يجب أن نجعل النار تتكلم.. وأن نفتح أبواب الجحيم"، ومع توقيع الاتفاق بين تل أبيب وبيروت زاد سموتريتش وبن غفير فى تصريحاتهما البغيضة التى تحرض الشعب اللبنانى على بعضه البعض، بدعوى أن السلاح اللبنانى يجب أن يكون تحت سيطرة حكومة جوزيف عون، وهو ما حذر منه رئيس مجلس النواب اللبنانى نبيه برى، حينما شدد على أنها "الفتنة" فى تصريح مقتضب من أن الاتفاق قد يؤلب أو يُحرض اللبنانيين على أنفسهم.
الغريب أن نتنياهو لم يقف صامتا هو الآخر، بل صرح من جانبه بأن قواته العسكرية العاملة فى الجنوب اللبنانى تعمل فى الوقت الراهن على تدمير البنى التحتية لـ"حزب الله" فى جنوب لبنان، ولديها عمل كثير لم تنجزه بعد، معلنًا تدمير نحو 90% من مخزون "حزب الله" الصاروخى، بزعم أن لقاء قوات الاحتلال الإسرائيلية فى لبنان يعود إلى القضاء على سلاح الحزب اللبنانى، فى وقت تشير وسائل إعلام عبرية إلى أنه يمكن لنتنياهو الانسحاب من مناطق بعينها، ولكنه سيبقى فى مناطق أخرى ستكون مناطق آمنة لبلاده فى الجنوب اللبنانى.
والثابت أن نتنياهو لم ولن يخرج من كل المناطق فى لبنان، تحت حجة القضاء على عناصر الحزب المقاوِمة، وبذريعة الحفاظ على الأمن القومى، وهو ما ألمحت إليه مراكز دراسات عبرية فى سياق تحليلها للوضع فى الجنوب اللبنانى.
عندما يصبح «الفرح» جريمة
30 يونيو.. ثورة استعادة وطن
حسن علام يكتب: الإمام جاد الحق بين الجدية والفكاهة





