هناك أوطان نسكنها..وهناك أوطان تسكننا..ومصر من النوع الثاني، لا تخرج من القلب إذا خرجت من المطار، ولا تغيب عن العين إذا غابت عن الأفق. هى الوطن الذى يسافر مع أبنائه فى حقائبهم، ويبيت فى ذاكرتهم، ويستيقظ كلما رأوا علماً بألوانه الثلاثة.
ولهذا، فإن مباريات المنتخب المصرى فى الولايات المتحدة ليست مباريات كرة قدم..إنها موعد معلن بين المصرى وقلبه..وقبل أن يطلق الحكم صافرة البداية، تكون القاهرة قد سبقت الجميع إلى هناك. لا أعرف كيف يحدث ذلك، لكنه يحدث. شارع فى نيويورك يشبه شارع شامبليون، وميدان فى نيوجيرسى يستعير ضحكة ميدان التحرير، وعشرات الآلاف يتحركون خلف العلم المصري، فتظن أن الأطلس قد أخطأ فى رسم الخرائط، وأن أمريكا اقتربت فجأة من النيل.إنها ؛ الولايات المتحدة المصرية، هذا ليس وصفاً صحفياً، وإنما حقيقة رأيتها فى الوجوه..الأعلام المصرية تُباع عند إشارات المرور كما تُباع فى القاهرة قبل المباريات الكبرى. طفل يصر على أن يُرسم العلم على وجنتيه. أم تحمل طفلها بيد، والعلم باليد الأخرى. أب جاء من ولاية تبعد مئات الكيلومترات، فقط ليقول للاعب يرتدى قميص مصر:«لسنا بعيدين..نحن خلفك.» ثم تبدأ المباراة، فتختفى أسماء المدن..ولا يبقى إلا اسم واحد.. مصر.
صوت الجماهير أعلى من المسافات، والهتاف أقوى من الغربة، والمدرجات تنسى أنها فى أمريكا، فتتصرف كما لو أنها فى ستاد القاهرة. لا أحد يشعر أنه مهاجر، ولا أحد يتذكر عدد السنوات التى قضاها بعيداً عن الوطن. ففى تلك اللحظة يعود الجميع إلى عنوان واحد، وإلى بيت واحد، وإلى أم واحدة اسمها مصر.
ثم يأتى الهدف ، فتسيل الدموع، وليس كل البكاء حزناً ، هناك دموع يذرفها القلب عندما يعثر على نفسه بعد طول غياب.. دموع رجل اكتشف أن سنوات الغربة لم تنجح فى تهريب وطنه من داخله. ودموع امرأة رأت أبناءها، الذين ولدوا بعيداً عن النيل، يهتفون باسم مصر بنفس الحماس الذى كان يهتف به أجدادهم. الغربة قد تغير عنوان البيت..وقد تغير لغة الحديث، وقد تغير ملامح الشوارع، لكنها، حتى الآن، فشلت فى تغيير نبض القلب المصرى ولذلك، فإن الإنجاز الحقيقى كان فى تلك الصورة التى شاهدها العالم كله؛ آلاف المصريين يحولون الولايات المتحدة إلى احتفال مصرى خالص، ولو كان للمونديال بطولة تُمنح لأكثر الشعوب وفاءً، ولأكثر الجماهير عشقاً، ولأكثر الأمم قدرة على حمل وطنها فى القلب قبل أن تحمله فوق الأكتاف، لما احتاجت اللجنة إلى التصويت..كان اسم الفراعنة سيُكتب أولاً، ثم تبدأ المنافسة على المركز الثاني..ارفع رأسك فوق..أنت مصرى .

30 يونيو والذاكرة البصرية
قيود وحدود التوجهات العسكرية الإسرائيلية تجاه مصر
الأحلام ما زالت ممكنة





