قروش البحر الأحمر «كنوز تسبح»

اقتصاديون: ثروة طبيعية يجب الاستفادة منها كصناعة سياحية متكاملة

قروش البحر الأحمر «كنوز تسبح»
قروش البحر الأحمر «كنوز تسبح»


على امتداد سواحل البحر الأحمر الفريدة، تعيش عشرات الأنواع من أسماك القرش التى تحولت خلال السنوات الأخيرة من كائنات بحرية مثيرة للجدل إلى أحد أهم عوامل الجذب السياحى والبيئى فى مصر. ورغم أن اسم القرش غالبًا ما يرتبط فى أذهان البعض بالخطر، فإن الخبراء يؤكدون أن الصورة الحقيقية أكثر تعقيدًا، فهذه الكائنات تؤدى دورًا محوريًا فى الحفاظ على التوازن البيئى، كما أصبحت عنصرًا أساسيًا فى صناعة سياحة الغوص.

تكشف جولات الغوص فى مواقع شهيرة مثل الفنستون والأخوين وروكى والزبرجد وسان جون عن عالم مختلف، حيث يسافر آلاف السائحين من أوروبا وآسيا وأمريكا خصيصًا لمشاهدة القروش فى بيئتها الطبيعية، والتقاط الصور ومقاطع الفيديو التى أصبحت جزءًا من الدعاية العالمية لمقصد البحر الأحمر السياحي.
يقول الدكتور أحمد إسماعيل، أستاذ علوم البحار، إن البحر الأحمر يعد من أغنى البحار من حيث التنوع البيولوجى، موضحًا أن البيئة البحرية الفريدة التى يتمتع بها، من شعاب مرجانية ومياه دافئة ومناطق عميقة، جعلته موطنًا مثاليًا للعديد من أنواع القروش.
وأضاف أن المياه المصرية تحتضن أنواعًا متعددة من القروش، من بينها القرش المحيطى أبيض الطرف، وقرش المطرقة، والقرش الرمادى، والقرش النمر، والقرش الثعلب، والماكو، والقرش الحوتى، لافتًا إلى أن لكل نوع خصائصه وسلوكه البيئى المختلف.
وأشار إلى أن القروش تمثل الحلقة العليا فى السلسلة الغذائية البحرية، ولذلك فإن وجودها يعد مؤشرًا على سلامة النظام البيئى، بينما يؤدى تراجع أعدادها إلى اختلالات قد تمتد آثارها إلى العديد من الكائنات البحرية الأخرى.
حارس التوازن البيئى
وأوضح أستاذ علوم البحار أن القروش تلعب دورًا أساسيًا فى الحفاظ على التوازن الطبيعى داخل البحر الأحمر، حيث تعمل على تنظيم أعداد الأسماك والكائنات البحرية المختلفة، وتمنع سيطرة أنواع معينة على النظام البيئي.
وأضاف أن الدراسات العلمية تؤكد أن اختفاء المفترسات العليا من أى نظام بيئى يؤدى إلى اضطرابات واسعة قد تنعكس سلبًا على الشعاب المرجانية والثروة السمكية، وهو ما يجعل حماية القروش ضرورة بيئية واقتصادية فى الوقت نفسه.
صناعة سياحية متكاملة
من جانبه، يؤكد د.محمود حنفى، أستاذ البيئة البحرية، أن القيمة الحقيقية للقروش لا تقتصر على دورها البيئى فقط، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادى الذى أصبح يمثل أحد أهم مصادر الدخل المرتبطة بالسياحة البحرية، وقال إن آلاف الغواصين حول العالم يضعون البحر الأحمر ضمن أهم الوجهات التى يرغبون فى زيارتها لمشاهدة القروش، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الرحلات البحرية يتم تنظيمها خصيصًا لهذا الغرض.
وأضاف أن المناطق الجنوبية خاصة الأخوين والفنستون وسان جون وروكى والزبرجد، أصبحت علامات مسجلة على خريطة الغوص العالمية، حيث يقصدها محترفو الغوص من مختلف الجنسيات لمشاهدة أنواع نادرة من القروش فى بيئتها الطبيعية.
وأوضح أن السائح الذى يأتى لمشاهدة القروش لا يقتصر إنفاقه على رحلة الغوص فقط، بل يمتد إلى الإقامة الفندقية والمطاعم ووسائل النقل والرحلات البحرية والخدمات السياحية المختلفة، وهو ما يجعل هذه الكائنات مصدرًا اقتصاديًا مستدامًا.. وأشار إلى أن مفهوم الاقتصاد الأزرق أصبح يعتمد بصورة متزايدة على استغلال الموارد الطبيعية بشكل مستدام، مؤكدًا أن الحفاظ على القروش يحقق عوائد اقتصادية أكبر بكثير من أى مكاسب قصيرة الأجل قد تنتج عن صيدها أو الإضرار بها.
العملاق المسالم
ومن بين الأنواع التى تجذب اهتمام السائحين بشكل خاص، يبرز القرش الحوتى، وهو أكبر أسماك القرش المعروفة فى العالم.. ويؤكد الخبراء أن هذا النوع لا يمثل خطرًا على الإنسان، حيث يتغذى على العوالق والكائنات الدقيقة، ويشتهر بطبيعته الهادئة، ما يجعله هدفًا مفضلًا لعشاق التصوير تحت الماء.
وتشهد بعض مناطق البحر الأحمر ظهورات موسمية لهذا النوع العملاق، وهو ما يثير اهتمام الغواصين والسائحين الراغبين فى خوض تجربة نادرة بالقرب منه.
قريبًا من الشواطئ
ويقول الدكتور أحمد وهبة الله، مدير فرع البحر الأحمر بالمعهد القومى لعلوم البحار والمصايد، إن ظهور بعض أنواع القروش بالقرب من الشواطئ قد يرتبط بعوامل متعددة، منها التغيرات البيئية أو توافر الغذاء أو حركة التيارات البحرية.
وأوضح أن كل حالة يتم التعامل معها بشكل علمى من خلال فرق متخصصة تقوم بالرصد والتحليل وجمع البيانات، مؤكدًا أن التعميم أو إثارة الذعر لا يساعدان فى فهم الظاهرة أو التعامل معها بصورة صحيحة.
وأضاف أن الدراسات العلمية أثبتت أن سلوك القروش يتأثر بعدة عوامل بيئية وطبيعية، ولذلك فإن المتابعة المستمرة والرصد العلمى يعدان السبيل الأمثل لفهم أنماط حركتها وانتشارها.
حماية الإنسان والحياة البحرية
وأشار وهبة الله إلى أن الدولة اتخذت خلال السنوات الماضية مجموعة من الإجراءات التنظيمية والعلمية للحفاظ على التوازن بين الأنشطة السياحية وحماية البيئة البحرية.. وتشمل هذه الإجراءات تكثيف أعمال الرصد والمتابعة، ودراسة سلوك القروش، وتوعية العاملين بالأنشطة البحرية، وتطبيق الاشتراطات البيئية الخاصة بالغوص والسباحة، فضلًا عن متابعة أى مشاهدات أو حوادث بصورة فورية.. كما يتم تنفيذ برامج علمية لجمع البيانات المتعلقة بحركة القروش وأنماط انتشارها، بما يساهم فى تطوير خطط الإدارة والحماية وفق أسس علمية دقيقة.
ويرى الخبراء أن الصورة النمطية التى رسمتها بعض الأفلام السينمائية لأسماك القرش ساهمت فى تضخيم المخاوف المرتبطة بها، بينما تؤكد الإحصاءات العالمية أن الحوادث المرتبطة بالقروش تظل محدودة للغاية مقارنة بأعداد السائحين والغواصين الذين يمارسون الأنشطة البحرية سنويًا.. ويشدد المتخصصون على أهمية الالتزام بالتعليمات والإرشادات البيئية وعدم ممارسة أى سلوك قد يؤثر على الحياة البحرية أو يدفع الكائنات البحرية إلى تغيير سلوكها الطبيعي.
ثروة تستحق الحماية
وفى الوقت الذى تواصل فيه مصر تعزيز مكانة البحر الأحمر كواحد من أهم المقاصد السياحية البحرية فى العالم، تبرز القروش باعتبارها جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة الطبيعية الفريدة.
فهى ليست مجرد كائنات بحرية تعيش فى الأعماق، بل حراس للتوازن البيئى، ومورد اقتصادى مستدام، وعنصر جذب سياحى يساهم فى دعم الاقتصاد الوطنى.
وبينما تتجه دول العالم إلى حماية القروش باعتبارها ثروة طبيعية لا تقدر بثمن، يؤكد خبراء البيئة وعلوم البحار أن الحفاظ على هذه الكائنات يمثل استثمارًا فى مستقبل البحر الأحمر، وضمانًا لاستمرار أحد أهم كنوز مصر الطبيعية للأجيال القادمة.