من روما إلى ميلانو.. كيف تبني مصر تحالفًا سياحيًا جديدًا مع إيطاليا؟

من روما إلى ميلانو.. كيف تبني مصر تحالفًا سياحيًا جديدًا مع إيطاليا؟
من روما إلى ميلانو.. كيف تبني مصر تحالفًا سياحيًا جديدًا مع إيطاليا؟


لم تكن الزيارة التي أجراها وزير السياحة والآثار شريف فتحي، مؤخراً إلى إيطاليا مجرد جولة بروتوكولية أو سلسلة لقاءات دبلوماسية تقليدية، بل حملت في طياتها رسائل اقتصادية وتسويقية مهمة، تعكس التحول الذي تشهده استراتيجية الترويج السياحي المصرية خلال السنوات الأخيرة.

فالزيارة التي شملت العاصمة روما ومدينة ميلانو جاءت في توقيت بالغ الأهمية، وسط منافسة شرسة بين المقاصد السياحية العالمية على جذب السائح الأوروبي، وفي ظل تحديات إقليمية ودولية ألقت بظلالها على حركة السفر حول العالم.

ومن خلال اللقاءات التي جمعت وزير السياحة والآثار بنظيره الإيطالي وكبار منظمي الرحلات وشركات الطيران ووسائل الإعلام المتخصصة، بدا واضحًا أن القاهرة لا تسعى فقط إلى زيادة أعداد السائحين الإيطاليين، بل تعمل على إعادة صياغة العلاقة السياحية مع أحد أهم الأسواق الأوروبية المصدرة للسياحة إلى مصر.

اقرأ أيضا: 30 يونيو| كيف تضاعفت إيرادات السياحة المصرية خلال 12 عامًا؟

السوق الإيطالي.. أكثر من مجرد أرقام

الأرقام التي أعلنها وزير السياحة والآثار خلال الزيارة كانت لافتة، حيث سجلت الحركة السياحية الإيطالية الوافدة إلى مصر نموًا بنسبة 15% خلال الأشهر الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بعد أن حققت قفزة بلغت 40% خلال عام 2025.. لكن أهمية السوق الإيطالي لا تكمن فقط في حجم الأعداد، وإنما في طبيعة السائح الإيطالي نفسه.

فهذا السائح يُعد من أكثر السائحين الأوروبيين ارتباطًا بالسياحة الثقافية والحضارية، كما يتميز بمتوسط إقامة مرتفع نسبيًا، واهتمام متزايد بالبرامج التي تجمع بين الثقافة والاستجمام والطبيعة.. لذلك فإن أي نمو يتحقق من هذا السوق ينعكس بصورة إيجابية على العائد الاقتصادي للسياحة المصرية، وليس فقط على أعداد الوافدين.

اقرأ أيضا: رغم الأزمات الجيوسياسية.. 6 أسباب وراء القفزة السياحية المصرية في 2026

بين الترويج للوجهات المصرية وإثراء تجربة السائح

أحد أبرز الرسائل التي حملتها الزيارة هو الانتقال من مفهوم «تسويق الأماكن» إلى «تسويق التجارب».. ففي كل لقاءاته تقريبًا، ركز وزير السياحة والآثار على فكرة دمج المنتجات السياحية المختلفة داخل برنامج واحد، بحيث لا تقتصر تجربة السائح على زيارة موقع أو مدينة بعينها، بل يعيش التجربة متكاملة.

ولهذا استعرض وزير السياحة والآثار برامج سياحية تبدأ من القاهرة والمتحف المصري الكبير وأهرامات الجيزة، ثم تمتد إلى الإسكندرية والساحل الشمالي، أو تجمع بين مرسى علم وأسوان، أو بين الرحلات النيلية والشواطئ.. هذا التوجه يتماشى مع الاتجاهات الحديثة في صناعة السياحة العالمية، حيث يبحث السائح عن تجربة متنوعة وغنية أكثر من بحثه عن مقصد منفرد.

اقرأ أيضا: سياحة مصر 2026.. من «المقصد التقليدي» إلى إدارة التجربة الشاملة

الساحل الشمالي يدخل بقوة على الخريطة الأوروبية

من الملاحظ أن الساحل الشمالي والعلمين الجديدة حضرا بقوة في جميع اللقاءات التي عقدها الوزير.. وهذه ليست مصادفة.. فالدولة المصرية تراهن اليوم على تحويل الساحل الشمالي من مقصد موسمي إلى وجهة سياحية دولية تعمل على مدار فترات أطول من العام، مستفيدة من الاستثمارات الضخمة التي تشهدها المنطقة.

وعندما يتحدث وزير السياحة والآثار، عن ارتفاع رحلات الطيران إلى مطار العلمين بنسبة 540% خلال العام الماضي، ثم تحقيق زيادة جديدة خلال العام الجاري بلغت حتى الآن 30% مقارنة بالعام الماضي، فهو يرسل رسالة واضحة لشركات السياحة الإيطالية بأن هناك منتجًا سياحيًا جديدًا يتشكل على البحر المتوسط يستحق التسويق والاستثمار.

اقرأ أيضا: البطوطي: معرض العلمين للطيران والفضاء يعزز مكانة مصر الدولية ويروج للسياحة

الدبلوماسية السياحية في مواجهة الأزمات

جانب آخر مهم كشفته الزيارة يتمثل في استخدام ما يمكن تسميته بـ«الدبلوماسية السياحية».. فالوزير لم يكتفِ بعرض المقومات السياحية المصرية، بل حرص على التواصل المباشر مع صناع القرار في القطاع السياحي الإيطالي لشرح حقيقة الأوضاع في المنطقة، والتأكيد على استقرار المقصد المصري.. وتزداد أهمية هذه الرسالة في ظل استمرار تأثير بعض التوترات الإقليمية على قرارات السفر لدى السائح الأوروبي.

ومن اللافت أن مسؤولي شركات السياحة الإيطالية أنفسهم أكدوا خلال اللقاءات أن مصر تأثرت بالأحداث الإقليمية بدرجة أقل من العديد من المقاصد المنافسة، وأنها أثبتت مجددًا قدرتها على تجاوز الأزمات والتعافي السريع.

اقرأ أيضا: مصر تستقطب علامة فندقية عالمية جديدة باستثمارات تتجاوز 20 مليار جنيه

تعاون يتجاوز السياحة إلى التعليم والتدريب

الزيارة لم تقتصر على ملف الترويج وجذب السائحين فقط، بل فتحت بابًا مهمًا للتعاون في مجال إعداد الكوادر البشرية.. فإشادة الجانب الإيطالي بنجاح مدرسة الضيافة الإيطالية في الغردقة، وطرح فكرة تكرار التجربة في القاهرة، يعكسان توجهًا نحو نقل الخبرات الأوروبية إلى القطاع السياحي المصري.

وهذه النقطة بالذات تحمل أهمية استراتيجية، لأن المنافسة العالمية في السياحة لم تعد تعتمد فقط على جودة المقاصد، بل أيضًا على جودة الخدمة والعنصر البشري.

اقرأ أيضا: صحيفة التايمز: مصر وجهة سياحية آمنة وتستقطب ملايين الزوار سنويًا

برامج مشتركة وفرص واعدة

من أكثر الأفكار التي تستحق التوقف أمامها خلال الزيارة، طرح إمكانية تصميم برامج سياحية مشتركة تجمع بين مصر وإيطاليا وتسويقها في الأسواق البعيدة.. هذه الفكرة تنطلق من حقيقة أن السائح القادم من أسواق بعيدة مثل آسيا أو الأمريكتين يفضل غالبًا زيارة أكثر من دولة خلال الرحلة الواحدة.

وبالتالي فإن التعاون بين بلدين يمتلكان إرثًا حضاريًا وإنسانيًا استثنائيًا مثل مصر وإيطاليا قد يفتح آفاقًا جديدة لجذب شرائح سياحية عالية الإنفاق، ويخلق نموذجًا مبتكرًا للتعاون بين المقاصد السياحية المتوسطية.

اقرأ أيضا: «ويز آير» تعيد توجيه رحلاتها إلى شرم الشيخ وترفع التشغيل لـ52 رحلة أسبوعيًا

بيع الثقة قبل المنتج

في المجمل، تكشف زيارة وزير السياحة والآثار إلى إيطاليا عن تطور واضح في آليات إدارة الملف السياحي المصري.. فالتحرك لم يعد يقتصر على المشاركة في المعارض أو إطلاق الحملات الإعلانية، بل أصبح قائمًا على بناء شراكات مباشرة مع الحكومات ومنظمي الرحلات وشركات الطيران ووسائل الإعلام.

والأهم أن الرسالة التي حاولت مصر إيصالها من روما وميلانو كانت واضحة: المقصد المصري لا يملك فقط آثارًا وشواطئ ومتاحف جديدة، بل يملك أيضًا رؤية متكاملة للنمو، وبنية تحتية تتطور باستمرار، وقدرة على الصمود في مواجهة التحديات.

ولهذا يمكن اعتبار الزيارة خطوة جديدة ضمن استراتيجية أوسع تستهدف تحويل النمو الحالي في الحركة السياحية إلى نمو مستدام طويل الأجل، يعزز مكانة مصر كواحدة من أهم الوجهات السياحية في منطقة البحر المتوسط والعالم.