مدير مكافحة الإرهاب الأسبق: عام حكم الجماعة كشف توجهاتها أمام الرأي العام| حوار

اللواء عادل عزب مدير مكافحة الإرهاب الأسبق
اللواء عادل عزب مدير مكافحة الإرهاب الأسبق


كشف اللواء عادل عزب مدير مكافحة الإرهاب الأسبق والشاهد الرئيسى فى قضية االتخابرب كواليس كثيرة عن مرحلة مهمة من تاريخ مصر وعلى مدار أسبوعين أزاح الستار عن تفاصيل وذكريات ارتبطت بالجماعة الإرهابية، وفى هذا العدد يواصل الحديث عن الإخوان وأكبر خطأ استراتيجى لجأ له التنظيم الإرهابى حين خاضت الانتخابات الرئاسية، رغم قرار عدم الترشح الذى لم يكن مناورة سياسية أو محاولة للخداع، وإنما كان قرارًا حقيقيًا جرى التصويت عليه واعتماده داخل المؤسسات التنظيمية المختصة.

 هل كان وصول جماعة الإخوان إلى الحكم خطأً استراتيجيًا من وجهة نظرك؟

- نعم، وأعتقد أن هذا كان أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية التى وقعت فيها الجماعة طوال تاريخها، وأقول ذلك لأن الجماعة نفسها لم تكن ترى أن عام 2011 هو موعد الوصول إلى السلطة، فبحسب ما توافر لدينا من معلومات وما جرى داخل مؤسسات التنظيم آنذاك، كان القرار الذى تم اعتماده داخل مجلس شورى التنظيم هو عدم الترشح لرئاسة الجمهورية فى تلك المرحلة، إن الجماعة فصلت الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح من صفوفها لمجرد أنه خالف قرار التنظيم وقرر الترشح للرئاسة دون موافقته.

 وما تفسير ذلك؟

- يؤكد أن قرار عدم الترشح لم يكن مناورة سياسية أو محاولة للخداع، وإنما كان قرارًا حقيقيًا جــرى التصــويت عليه واعتماده داخـــل المؤسســات التنظـيمـيـة المختصة، وكان التصور السائد آنــذاك أن الســـنوات التاليـــة يجب أن تُستغل فى استكمال مراحل الخطة الاستراتيجية للتنظيم قبل الانتقال إلى السعــــى المــباشــــر للوصول إلى السلطة، ولهذا فإن ما جرى بعد ذلك أثار لدىَّ تساؤلات كثيرة، لأن التنظيم انتقل فجأة من قرار مؤسسى واضح بعدم الترشح، إلى السعى المباشر للوصول إلى الرئاسة، ففى تقديرى أن هذا التحول كان بداية النهاية، لأن الجماعة ولأول مرة تتخلى عن الالتزام بمراحل خطتها الاستراتيجية مقابل مكسب سياسى.

 إذا كنت ترى أن وصول الجماعة إلى الحكم كان خطأً استراتيجيًا من جانبها، فهل كان ذلك فى المقابل مكسبًا استراتيجيًا للدولة المصرية؟

- نعم، تقديرى كان كذلك، وأقول ذلك لأننى أعتقد أنه لو قُدِّر لهذه الجماعة أن تستمر فى تنفيذ خطتها كما كانت مطروحة آنذاك وأن تبقى خارج الحكم لثمانى سنوات أخرى لكان الوضع مختلفًا تمامًا، لأنها كانت ستستغل هذه السنوات فى التوسع داخل المجتمع، وتعميق النفوذ التنظيمى والفكرى، واستكمال ما كانت تسميه مرحلة التمكين، وعندها كان من الممكن أن تنخدع قطاعات أوسع من المجتمع، وترتبط بالمشروع الإخوانى، وتصبح أكثر استعدادًا لتقبله والدفاع عنه، لكن ما حدث فعليًا وضع الجماعة أمام اختبار الحكم قبل أن تكتمل هذه المراحل، وكشف حقيقتها أمام قطاعات واسعة من المصريين بصورة لم يكن ممكنًا أن تحققها سنوات طويلة من الجدل السياسى أو الحملات الإعلامية أو المواجهات الفكرية، فطوال عقود كان هناك قطاع من المصريين ينظر إلى الجماعة باعتبارها جماعة دعوية أو إصلاحية، وكان يعتقد أن المشكلة ليست فى الجماعة نفسها، وإنما فى أنها لم تحصل على فرصة حقيقية للحكم، لذلك أقول إن العام الذى قضته الجماعة فى الحكم كان كافيًا لكشف توجهاتها أمام الرأى العام، وإسقاط كثير من الصور الذهنية التى ظلت راسخة لدى البعض لعقود طويلة.

 إذا كان قرار عدم الترشح للرئاسة قد صدر بالفعل من مؤسسات التنظيم، فكيف تفسر العدول عنه بعد ذلك؟

- فوجئنا بالعدول عن قرار عدم الترشح، رغم أن القرار الأول كان قد صدر عن أعلى مؤسسة شورية داخل التنظيم، والأكثر إثارة للتساؤل أن الاتصالات التى جرت بين محمد مرسى وأحمد عبد العاطى فى 21 يناير 2011 أظهرت بوضوح أن مرسى نفسه كان يبدى تخوفًا من تجاوز مراحل الخطة الاستراتيجية للجماعة، ويؤكد أنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة التمكين، ومع ذلك صدر القرار بالانتقال المباشر إلى المنافسة على السلطة.

 كيف ترى هذا التناقض؟

- هنا أطرح السؤال على قيادات وكوادر الجماعة، إذا كان مجلس الشورى قد قرر عدم الترشح، وإذا كانت الخطة الاستراتيجية المعلنة للجماعة لم تكن قد استكملت مراحلها بعد، وإذا كان بعض قياداتها وفى مقدمتهم محمد مرسى نفسه قد أبدوا فى اتصالات موثقة هذا القدر من التحفظ والتخوف من تجاوز مراحل الخطة الاستراتيجية والتعجيل بالوصول إلى السلطة، فمن أين جاء من يملك قرار تغيير المسار الذى استقرت عليه الشورى داخل الجماعة؟ وما مبرراته ودوافعه التى أدت إلى تعريض الجماعة لمخاطر الوصول إلى الحكم رغم عدم جاهزيتها، وفقًا لما كانت تقرره هى نفسها فى أدبياتها وخططها الاستراتيجية؟ فمن تجاوز مراحل الخطة الاستراتيجية للجماعة، ويؤكد أنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة التمكين ومع ذلك صدر القرار بالانتقال المباشر إلى المنافسة على السلطة.

 هل تعتقد أن الجماعة أخطأت فى تقدير رد فعل المجتمع المصرى بعد وصولها إلى الحكم؟

- نعم، أخطأت فى ذلك بصورة كبيرة، فالشعب المصرى بوعيه المتراكم وحضارته الممتدة عبر آلاف السنين لا يمكن مقارنته بسهولة بشعوب أو مجتمعات أخرى، وأتذكر أنه خلال أحد اللقاءات التنظيمية التى جرت خارج مصر دار نقاش حول مدى استعداد الجماعة فى مصر للقيام بالدور المطلوب منها فى تلك المرحلة، وخلال هذا النقاش وجّه أحد قيادات الجناح العسكرى لحركة حماس نصيحة إلى ماجد الزمر، مؤكدا أن الجماعة ليست فى حاجة إلى انتظار القوى السياسية الأخرى أو التعويل عليها، مستشهدًا بالنموذج الذى تبنته حماس فى غزة والقائم على التحرك أولًا ثم فرض الأمر الواقع، على أساس أن القوى الأخرى ستلحق بالمنتصر فى النهاية، فكان التصور المطروح أن الجماعة تستطيع التحرك منفردة ثم سيلتحق بها الجميع لاحقًا.

 هل تعنى وجود ربط لما حدث فى غزة؟ 

- نعم، من وجهة نظرى، فإن ما جرى فى غزة آنذاك كان يمثل أول تطبيق عملى لما عُرف لاحقًا بثورات الربيع العربى، من حيث توظيف حالة الاحتقان والصراع السياسى للوصول إلى السلطة وفرض واقع جديد على الأرض، كما أتذكر ما نُقل عن محمد بديع فى أحد الاجتماعات التنظيمية، والذى قُدِّم ضمن الأحراز أمام المحكمة، حين قال إن "الجماعة مثل القاطرة التى تجر قطار المجتمع المصرى، فإذا أسرعت الجماعة أسرع، وإذا أبطأت أبطأ، وإذا انحرفت انحرف".

 ما تحليلك لذلك؟ 

- فى تقديرى أن هذه العبارة كانت تعكس رؤية قيادة الجماعة لنفسها ولدورها داخل المجتمع، وكأن الجماعة تملك القدرة على تحريك المجتمع المصرى فى الاتجاه الذى تراه، لكن ما أثبتته الأحداث لاحقًا أن المجتمع المصرى كان أكبر من أن يُختزل فى تنظيم، وأوسع من أن يُقاد خلف جماعة مهما بلغ حجمها أو نفوذها، وأنه احتفظ دائمًا بقدرته على التمييز بين الوطن والجماعة، وبين الدولة والتنظيم.ت

 كيف استقبلت يوم 30 يونيو؟

- استقبلته باعتباره يومًا فارقًا فى تاريخ مصر الحديث فبحكم ما كنت أعرفه عن طبيعة الجماعة ومخططاتها وبحكم ما كنت أراه يوميًا من اتساع الفجوة بينها وبين قطاعات واسعة من المصريين لم يكن خروج الناس إلى الشوارع مفاجئًا بالنسبة لى من حيث المبدأ، لكن ما لفت انتباهى بالفعل  حجم المشاركة الشعبية واتساعها، فما شهدته مصر فى ذلك اليوم لم يكن مجرد مظاهرات معارضة لحكومة أو لرئيس، وإنما كان تعبيرًا عن حالة رفض شعبى واسعة لمسار كامل كانت البلاد تسير فيه، وكان واضحًا أن المصريين على اختلاف انتماءاتهم وخلفياتهم الاجتماعية والسياسية خرجوا وهم يحملون شعورًا بأن هوية الدولة ومستقبلها أصبحا على المحك، ولذلك أدركت منذ الساعات الأولى أن ما يحدث يتجاوز بكثير حدود الخلاف السياسى التقليدى، وأن مصر تقف أمام لحظة تاريخية لن تكون بعدها مثل ما كانت قبلها.ت

 هل كانت استجابة القوات المسلحة لمطالب الجماهير مفاجأة بالنسبة لك؟

- لا.. لأن القوات المسلحة كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من هذا الشعب، وتستمد شرعيتها من حماية الدولة والحفاظ على تماسكها، وربما ما يميز القوات المسلحة المصرية عن كثير من الجيوش الأخرى أنها لا تمثل طبقة اجتماعية بعينها، ولا منطقة جغرافية محددة، ولا تيارًا سياسيًا معينًا، فداخل الجيش تجد أبناء المدن والقرى، وأبناء الوجه البحرى والوجه القبلى وسيناء ومدن القناة، والغنى والفقير، والعامل والفلاح، وخريج الجامعة وصاحب الحرفة، فالجيش المصرى فى حقيقته صورة مصغرة من المجتمع المصرى نفسه، كما أن غالبية الأسر المصرية مرّ أحد أبنائها بخدمة القوات المسلحة بصورة أو بأخرى، ثم يعود بعد انتهاء خدمته إلى المجتمع الذى جاء منه، لذلك لا توجد فجوة حقيقية بين الجيش والشعب، ولا توجد طبقة عسكرية منفصلة عن المجتمع أو منعزلة عنه، ولهذا كانت القوات المسلحة دائمًا أكثر المؤسسات قدرة على استشعار نبض المجتمع وفهم ما يدور داخله، وعندما خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين فى 30 يونيو، لم تكن المؤسسة العسكرية تنظر إلى جماهير غريبة عنها، وإنما كانت ترى أبناء المجتمع الذى خرجت منه وعادت إليه عبر تاريخها.

 ما الذى أدى إلى اتساع الفجوة بين الجماعة والمجتمع المصرى؟

- دولة الإخوان المزعومة بدأت فى الانهيار منذ اللحظة التى تكشفت فيها الأقنعة، واختلطت الأمور، وضاع التقدير، وساء التدبير، فمع مرور الوقت بدأ المجتمع يشعر بحالة من الغربة داخل وطنه، وكأن الصورة التى رُسمت له قبل الوصول إلى الحكم لم تعد هى الصورة التى يراها على أرض الواقع، كما أن استمرار ظهور قيادات الجماعة ومكتب الإرشاد وكبار مسئولى التنظيم فى المشهد العام، رغم وصول أحد أعضاء الجماعة إلى رئاسة الجمهورية، أثار تساؤلات واسعة حول الجهة التى تدير الدولة فعليًا، وزادت بعض الرسائل والمواقف السياسية من هذا الشعور، خصوصًا تلك التى مست الذاكرة الوطنية للمصريين أو بدت وكأنها تتجاهل حساسيات المجتمع وتاريخه، فى الوقت نفسه اتسعت الخلافات داخل المجتمع بين مؤيد للجماعة ورافض لها، حتى أصبح الانقسام المجتمعى نفسه أحد أخطر نتائج تلك المرحلة.

 لماذا كنت حريصًا على منع أى مواجهة مباشرة بين المواطنين والجماعة؟

ت- لأن ما رصدناه بعد 30 يونيو أكد أن الهدف لم يكن مجرد استهداف أجهزة الدولة أو منشآتها فقط، ففى تقديرى أن هناك سعيًا واضحًا لتوسيع دائرة المواجهة وجر البلاد إلى حالة من الصدام الأهلى، ولذلك لم تقتصر الاعتداءات على مؤسسات الدولة، وإنما امتدت أيضًا إلى مواطنين عاديين كان ذنبهم الوحيد أنهم أعلنوا تأييدهم لثورة 30 يونيو أو وقوفهم إلى جانب الدولة المصرية، وكان الهدف فى تقديرى هو توسيع قاعدة المواجهة وتحويلها من مواجهة بين الدولة والتنظيم إلى مواجهة بين المصريين وبعضهم البعض، ولو نجح هذا المخطط لكانت مصر قد دخلت طريقًا شديد الخطورة يصعب الخروج منه، ولهذا كنت أرى أن منع أى تشكيلات أو مواجهات شعبية موازية لم يكن مجرد قرار أمنى، بل كان ضرورة وطنية لحماية المجتمع من الانزلاق إلى حرب أهلية. 

 هل قامت الجهات الأمنية فى ذلك الوقت بتحذير مرسى من تداعيات ما قد يحدث فى 30تيونيو وتدهور الأوضاع فى البلاد؟

ـ نعم.. وأقول ذلك استنادًا إلى ما اطلعت عليه بنفسى من مستندات رسمية تم ضبطها ضمن قضية تهريب مدير مكتب رئيس الجمهورية  المستندات الرئاسية من مؤسسة الرئاسة إلى خارج البلاد، فمن بين الوثائق التى تم تقديمها فى المحكمة التى تم ضبطها واطلعت عليها وقدمتها للمحكمة أنه كانت هناك ثلاثة خطابات رسمية موجهة إلى رئيس الجمهورية فى ذلك الوقت، من الأمن الوطني، والثانى من الأمن العام، والثالث من المخابرات الحربية، وكانت هذه الخطابات تتضمن تحذيرات واضحة من حالة الاحتقان المتصاعدة داخل المجتمع، كما تضمنت دعوته لاتخاذ إجراءات من شأنها تهدئة الموقف واحتواء حالة الغضب المتزايدة.

 إذا كانت هذه الجهات نفسها تحذر مرسى مسبقًا مما قد يحدث؟ وكانت ترسل إليه تقديرات موقف رسمية تنبهه إلى خطورة الوضع فما سبب اتهام الإخوان لها بالتآمر ضد مرسى؟

- أرى أن وجود هذه الخطابات فى حد ذاته يمثل دليلًا مهمًا على أن مؤسسات الدولة كانت تقوم بدورها الطبيعى فى رصد ما يجرى على الأرض ورفع تقديراتها وتحذيراتها إلى مؤسسة الرئاسة، وأن ما حدث فى 30 يونيو لم يكن مفاجأة لأحد، بل كان أمرًا جرى التحذير من تداعياته مسبقًا.

 متى أدركت أن 30 يونيو لم تعد مجرد دعوة سياسية، وإنما أصبحت حالة مجتمعية واسعة؟

- أتذكر واقعة لا تزال عالقة فى ذهنى حتى اليوم، ففى الأيام التى سبقت 30 يونيو بنحو 12 أو 13 يومًا، كنت أمر بمحطة مصر للسكك الحديدية مرتديًا الزى الرسمي، وكانت إحدى السيدات قد نزلت للتو من قطار قادم من الإسكندرية، وبعد أن مرت بجوارى استوقفتنى فجأة ونظرت إليّ قائلة: "حضرتك معانا فى 30 يونيو؟"، فأجبتها "إن شاء الله."، فابتسمت وقالت: "شكرًا... بالتوفيق"، ثم انصرفت، قد تبدو الواقعة بسيطة، لكنها كانت بالنسبة لى شديدة الدلالة، فهذه السيدة لم تكن ناشطة سياسية، ولم تكن من قيادات الأحزاب أو الشخصيات العامة، وإنما كانت مواطنة مصرية عادية جاءت من الإسكندرية إلى القاهرة، ومع ذلك كانت تتحدث عن 30 يونيو وكأنها موعد تعرفه وتنتظره وتستعد للمشاركة فيه.

اقرأ  أيضا: مدير مكافحة الإرهاب الأسبق: شهادتي بـ«تخابر مرسي» كانت ضد متهم هارب وليس رئيسا| حوار