فى الصميم

جلال عارف يكتب: طريق «الرباعية».. وأوهام إسرائيل

جلال عارف
جلال عارف


ربما لا يكون الفشل الكبير فى الحرب على إيران هو أخطر ما تواجهه إسرائيل الآن، فهو فى النهاية فشل آخر يضاف إلى ما سبقه من تجارب فاشلة وحروب لم تحقق شيئًا من أهدافها. الأخطر من كل ذلك هو سقوط الأوهام الإسرائيلية وانكشاف حقيقة الكيان الصهيونى وافتضاح زيف الرواية الإسرائيلية أمام العالم، الذى لم يعد يستطيع الصمت على جرائم الدولة المارقة ولا القبول بالمشاركة فيها.

قبل شهر كان نتنياهو يلوح بخريطته الوهمية لشرق أوسط جديد تحت سطوة إسرائيلية، وكان لا يكتفى بالتأكيد على أن الكيان الصهيونى قد أصبح قوة إقليمية عظمى، بل يزعم بأن الدولة المارقة قد أصبحت بين القوى الأعظم فى العالم كله(!!) الآن يسمع من الرئيس الأمريكى وهو يحدثه هاتفيًا: لا أحد يؤيدك حتى اليهوديين، اللذين يجلسان أمامى (يقصد المبعوثين ويتكوف وكوشنر!!) ويصبح على موعد مع انتخابات حاسمة خلال ثلاثة شهور تقول كل استطلاعات الرأى إنها ستضعه خارج الحكم وقريبًا من السجن(!!) مطاردًا بالاتهامات بأنه قاد الكيان الصهيونى إلى أسوأ وأخطر أزماته على الإطلاق.

فى المقابل، وبينما تسقط الأوهام الإسرائيلية تباعًا، كان الواقع يفرض نفسه على المنطقة كلها. وكانت الحرب العبثية تؤكد لمَن كان يتجاهل الحقائق أن القوة الذاتية وحدها هى مَن تحمى الأوطان وتبعد المخاطر وتؤكد الاستقرار، وكانت القواعد الأجنبية تتحول إلى عبء على دول المنطقة بدلًا من المساهمة فى حمايتها، وكان البعد العربى والإقليمى حاضرًا منذ بداية الأزمة، وكان جهد القوى العربية والإقليمية الفاعلة هو الذى قاد طرفى الصراع الأساسيين (أمريكا وإيران) على الطريق لإنهاء الحرب.. بينما يتفاوض نتنياهو على خراط الانسحاب من لبنان ويصرخ بن غفير «أمريكا باعتنا». وتختفى من المشهد الأوهام عن شرق أوسط جديد تحكمه إسرائيل وتتحكم فى مصيره.

هذا كله لا يعنى اختفاء الخطر الإسرائيلى.. فمازال الاحتلال لغزة وسوريا ولبنان مستمرًا، وما زال الاستيطان فى الضفة يتوسع، وما زال اللوبى الصهيونى يعمل فى الولايات المتحدة وأوروبا رغم انتكاساته، ومازالت إسرائيل قادرة على زرع الألغام فى كل طريق قد يؤدى للسلام فى المنطقة.. الفارق الآن أنها تواجه واقعًا مختلفًا، وتدرك جيدًا حجم هزيمتها، وتعرف أنها لم تعد قادرة على تسويق نفسها على أنها الكيان القادر على أداء «المهام القذرة» نيابة عن «الغرب المستنير» كما كانت تروج لنفسها من قبل.

ويبقى الأهم.. وهو أن تستوعب الدول العربية والقوى الإقليمية الدرس، وأن تدرك أنها تملك كل أوراق القوة، التى تمكّنها من فرض إرادتها وصيانة حقوقها وحفظ أمنها، وأنه إذا كان على الشرق الأوسط أن يتغير..

فليحدث ذلك بأيدينا وبشروطنا ووفق مصالحنا وحدنا. كان هامًا للغاية أن ينعقد اللقاء الرباعى فى القاهرة بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان فى هذا التوقيت بالذات ليؤكد أن هذه القوى الإقليمية الكبرى لم تنهِ مهمتها المشتركة بإنهاء الحرب فى إيران، وأن التنسيق بينها سيستمر من أجل حل أزمات المنطقة، بل إن الرئيس السيسى أشار هنا إلى أهمية تطوير هذا التعاون إلى إطار مؤسسى لا شك أنه يمكن أن يوفر للمنطقة مظلة أمان وطريقًا للتعاون المشترك للبناء والتقدم وفرض السلام العادل على كل الأطراف.

المنطقة كلها على طريق التغيير.. فلنصفه بأيدينا، ولمصلحة شعوب المنطقة، التى تحملت ما يكفى فى حروب الآخرين.