استيقظ المصريون صباحاً على أرقام بدت للوهلة الأولى وكأنها مقتبسة من تقرير صادر عن دولة تخوض حرباً مفتوحة على حدودها، لا من بيان دورى لقوات حرس الحدود. قرابة مائة ألف متسلل من جنسيات مختلفة حاولوا اختراق الحدود المصرية بطرق غير قانونية.
مئات الأطنان من المخدرات. والمواد المهربة. أسلحة ومعدات وأموال وبضائع تقدر قيمتها بنحو أربعين مليار جنيه.. للوهلة الأولى تبدو مجرد أرقام.. لكن خلف كل رقم قصة.. وخلف كل قصة خطر.
وخلف كل خطر رجال وقفوا على الحدود حتى لا يتحول ما نقرؤه اليوم فى بيان رسمى إلى كارثة نعيشها غداً على أرض الواقع.
الحقيقة أن مصر لم تعد تواجه مجرد أزمة هجرة أو حركة نزوح فرضتها صراعات المنطقة، بل أصبحت تواجه تحدياً أكثر تعقيداً يتعلق بأمنها القومى وبحقها المشروع فى معرفة من يدخل أراضيها ولماذا دخل ومن يقف خلفه ومن يموله.
الحقيقة أن الإنسانية شيء، والتهاون فى حماية الوطن شيء مختلف تماماً. فالدولة مسئولة عن حماية أرضها.
وعندما يعلن بيان رسمى ضبط ما يقرب من مائة ألف متسلل حاولوا دخول البلاد بصورة غير قانونية، فإن القضية لم تعد مرتبطة بفرد يبحث عن فرصة حياة أو أسرة تهرب من الحرب، وإنما أصبحت مرتبطة بظاهرة ضخمة تستوجب المراجعة والتدقيق وإعادة النظر فى كثير من السياسات التى تم التعامل معها لسنوات باعتبارها مسلمات.
فليس منطقياً أن يُطلب من المصريين الصمت كلما طرح أحدهم سؤالاً مشروعاً حول أمن الحدود أو هوية الداخلين إلى البلاد. وليس من المقبول أن يتحول أى حديث عن الأمن القومى إلى اتهام بقلة الإنسانية.
الإنسانية الحقيقية لا تعنى أن نتخلى عن حقنا فى معرفة من يعيش بيننا. ولا تعنى أن نتجاهل وجود عناصر قد تستغل الفوضى الإقليمية للتسلل إلى الداخل المصرى.
لقد دفعت دول كثيرة حول العالم أثماناً باهظة عندما تأخرت فى مواجهة هذه الحقائق، واكتشفت أن حسن النية لا يكفى لحماية الحدود، وأن التساهل فى الملفات السيادية قد يتحول إلى تهديد وجودى للدولة نفسها.
من حق مصر أن تراجع سياساتها متى رأت أن الظروف تغيرت. ومن حقها أن تدقق أكثر فى أوضاع المقيمين والوافدين. هوية واضحة أو أوراقاً قانونية أو سجلاً يمكن التحقق منه. ومن حقها أن تضع أمن مواطنيها فوق أى اعتبار آخر.. ولأن لنا وطناً يستحق الحماية، وجيشاً يسهر على حدوده، وشعباً دفع ثمن الاستقرار من عمره وجهده ومستقبله، فإن الواجب يقتضى أن نتذكر دائماً حقيقة بسيطة: الإنسانية قيمة عظيمة، لكن بقاء الوطن أعظم.

من بعض ما عندنا
فتحى سند يكتب: لامؤاخذة
جيل التنمية يقود الاقتصاد الوطنى





