فى زحام الحياة اليومية، يعكف المصريون على متابعة المؤشرات الاقتصادية لحظة بلحظة، فأصبح الشغل الشاغل عند قطاع كبير منهم رصد تذبذبات أسعار الصرف صعوداً وهبوطاً، كم وصل الجنيه مقابل الدولار؟» سؤال يتردد يوميًا، لكن ما يغيب عن الأذهان أن هذا المؤشر ليس سوى انعكاس لواقع أعمق نعيشه اليوم، فالسؤال الجوهرى الذى يجب أن يتصدر ذهن كل مصرى ليس «كم بلغ سعر الدولار اليوم؟»، بل «كيف نبنى اقتصاداً صلباً قادراً على حماية عملتنا الوطنية واستدامة تنميتنا؟»
إن الحقيقة الاقتصادية الراسخة التى أثبتتها تجارب الأمم الناهضة عبر السنوات الطويلة الماضية، تؤكد أن قوة أى عملة هى ترجمة حرفية لقوة الاقتصاد الذى يدعمها، هذا الاقتصاد لا يُبنى بالمضاربات أو المسكنات المؤقتة، بل ينهض على دعائم الإنتاج والعمل والاستثمار واقتصاد المعرفة، فالدول التى عبرت إلى ضفاف الاستقرار والنمو اعتمدت منهجية واضحة ترتكز على تعظيم الإنتاج المحلى، ومضاعفة الصادرات، وتحويل الموارد المتاحة إلى قيمة مضافة حقيقية تخلق فرص عمل مستدامة وتولد ثروات وطنية.
وفى مصر، ونحن نشهد عبوراً تاريخياً نحو «الجمهورية الجديدة»، تتجلى ضرورة ملحة لتغيير المفاهيم، لم يعد مقبولاً أن يقتصر دور المواطن على متابعة إنجاز المشروعات القومية عبر الشاشات، بل حان الوقت لتتحول هذه المتابعة إلى مشاركة فاعلة، فالتنمية بمفهومها الشامل ليست عبئاً ملقى على كاهل الدولة وحدها، بل هى مشروع كافة أفراد مجتمع بأسره، ولا يتحقق النجاح المرجو إلا حين يصبح المواطن شريكاً أصيلاً فى صياغة المستقبل، لا مجرد متفرج على أحداثه.
من رحم هذه الرؤية الوطنية، أؤمن بأن «جيل زد هو جيل التنمية والحصاد»، شباب اليوم هم المحرك الفعلى القادر على دفع عجلة البناء وحصد ثمار ما زُرع خلال السنوات الماضية، هذا الجيل، الذى تفتحت عيناه على ميلاد مدن ذكية ومجتمعات عمرانية متطورة، ومشروعات زراعية وصناعية عملاقة، وبنية تحتية غير مسبوقة، إلى جانب الرقمنة والسرعة، يمتلك الحق والواجب فى أن يكون فاعلاً رئيسياً فى هذه التجربة التنموية الرائدة.
علينا جميعاً أن نعمل يداً بيد من أجل بناء جيل واعٍ يدرك أبجديات الإنتاج والتصنيع والتسويق والابتكار، جيل يؤمن بأن كل فدان يُستصلح، وكل خط إنتاج يدور، وكل مشروع ناشئ يرى النور، هو إضافة حقيقية للناتج القومى وخطوة نحو الاكتفاء الذاتى، ولذلك، علينا تجاوز التوعية النظرية واقتحام ميدان العمل التطبيقى، عبر ربط الشباب بالواقع الاستثمارى والإنتاجى فى المجتمعات الجديدة، وتزويدهم بأدوات ريادة الأعمال، وإدراك أهمية دراسات الجدوى كبوصلة توجه الموارد نحو الاستثمارات الأكثر عائداً واستدامة.
تمتلك بلادنا اليوم عددا من المقومات الاستثنائية لانطلاقة اقتصادية كبرى: تتمثل فى قيادة سياسية ذات رؤية ثاقبة متمثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسى، وبنية أساسية صلبة، وموارد بشرية متنوعة، ويبقى الرهان الأكبر على «رأس المال البشري»، وتحديداً على الشباب، لتحويل هذه المقومات إلى إنجازات ملموسة.
رسالتى لشباب مصر من جيل زد وألفا، أيها الشباب المستقبل يفتح أبوابه لمن ينتج ويبتكر ويضيف قيمة، غادروا مقاعد المشاهدين، وانخرطوا فى ورشة البناء الكبرى، تسلحوا بالعلم والمعرفة، واستثمروا فى طاقاتكم، فأنتم «جيل التنمية والحصاد»، لقد أرسى الآباء قواعد البناء، واليوم يأتى دوركم لرفع الأعمدة وجنى الثمار، من أجل اقتصاد منيع، ومستقبل مشرق، ومصر التى تليق بطموحات أبنائها.

من بعض ما عندنا
فتحى سند يكتب: لامؤاخذة
الإنسانية لا تعنى الانتحار





