فى السياسة، ليست الهزيمة أخطر ما يواجه التنظيمات العقائدية، وإنما النسيان.
فالجيوش تُهزم فى المعارك، والدول تسقط فى الحروب، أما الجماعات الأيديولوجية فغالبًا ما تعيش على ذاكرة الأجيال الجديدة. وحين تنجح فى إعادة كتابة التاريخ داخل وعى مَن لم يعش الوقائع، تبدأ رحلة العودة من جديد.
بعد ثلاثة عشر عامًا على ثورة 30 يونيو، يبدو السؤال التقليدى. ماذا حققت الثورة؟ سؤالًا ناقصًا. أما السؤال الأكثر إلحاحًا فهو: أين أصبحت جماعة الإخوان الآن؟ وكيف تنظر إليها أجيال لم تعاصر حكمها أصلًا؟
الحقيقة أن الجماعة التى خرجت من السلطة فى 2013 ليست هى الجماعة التى تتحرك اليوم. فقد خسرت كثيرًا من بنيتها التنظيمية التقليدية، وتعرضت لانقساماتٍ عميقة بين أجنحة متصارعة، وتآكلت قدرتها على الحشد الجماهيرى المباشر. لكن ذلك لا يعنى اختفاءها من المشهد.
فالتنظيم الذى كان يعتمد على المساجد واللقاءات المُغلقة والهيكل الهرمى الصارم، انتقل تدريجيًا إلى فضاء آخر أكثر رحابة وأقل تكلفة.الفضاء الرقمى. هنا تحديدًا تكمن المعركة الجديدة.
جيل كامل من المصريين ينتمى إلى ما يُعرف بـ «Gen Z» لم يكن قد بلغ سن الوعى السياسى فى 2013. بعضهم كان طفلًا فى المدرسة الابتدائية، وبعضهم لم يُولد بعد. هؤلاء لا يحملون ذاكرة الصدامات ولا يعرفون تفاصيل عام حكم الجماعة ولا يدركون حجم المخاطر، التى دفعت ملايين المصريين إلى الخروج فى 30 يونيو.
وبالتالى فإنهم يتعاملون مع الحدث باعتباره مادة تاريخية قابلة لإعادة التأويل، لا تجربة مُعاشة محفورة فى الذاكرة الوطنية.
لهذا تحاول الجماعة اليوم خوض معركة مختلفة تمامًا. لم تعد تراهن على استعادة التنظيم القديم، بقدر ما تراهن على صناعة رواية جديدة. رواية تقوم على اجتزاء الوقائع، وإعادة تدوير المظلومية، وتقديم نفسها للأجيال الجديدة باعتبارها ضحية سياسية لا مشروعًا أيديولوجيًا سعى إلى احتكار الدولة وإعادة تشكيل المجتمع.
وهنا يبرز التحدى الحقيقى أمام الدولة والنخب والإعلام.
فمعركة المستقبل ليست أمنية فقط، وليست سياسية فقط، وإنما معركة وعى بالدرجة الأولى. لأن الأجيال لا ترث الخبرات كما ترث الأوطان. وإذا لم يُروَ التاريخ بلغة يفهمها الشباب، فسيرويه آخرون وفق مصالحهم وأهدافهم.
بعد ثلاثة عشر عامًا، يمكن القول إن 30 يونيو نجحت فى إسقاط مشروع سياسى كان يهدد الدولة الوطنية، لكنها لم تُنهِ الحاجة إلى شرح أسباب تلك الثورة للأجيال الجديدة. فالثورات تنجح حين تنتصر فى الواقع، لكنها تكتمل فقط حين تنتصر فى الذاكرة.
ولهذا فإن السؤال الذى يجب أن يشغلنا اليوم ليس أين ذهبت الجماعة، بل أين تتجه عقول، الذين لم يشاهدوا ما حدث يوم خرجت مصر لتدافع عن نفسها.

من بعض ما عندنا
فتحى سند يكتب: لامؤاخذة
الإنسانية لا تعنى الانتحار





