بعد عدة صفحات فارغة.. كانت هناك بعض الملاحظات المدونة فى ص20:
- لا أحد يحاورني أو يلتفت إليَّ، ألقى التحيات في الصباح والمساء وتهاني الأعياد وحفلات الزفاف.. لا أحد يرد.
- قال لي جاري وهو واقف خلف باب شقته، ورأسه بارزة إلى الأمام في احتراس وكأنه مختبئ خلف درع، إن هناك رائحة كريهة تصدر من شقتي خاصة من النافذة المستطيلة المطلة على المنور، وإنه أحيانًا يسمع صوت أمواج تصطدم بباب الشقة بشدة، نظرت له مبديًا اهتمامًا بما يقول، ثم هززت رأسي حتى أوحي له أنني أدركت كلامه جيدًا، فتحت باب شقتي للدخول وأنا أفكر: لماذا لم أخبره أن هذا كان يحدث في شقته هو؟؟
- قرأت في إحدى الصحف التي اشتريها كي أضع عليها الطعام.. إن عددًا من الأشخاص باتوا لا يعرفون ما يقولونه أو يفكرون فيه أو يتبرزونه، يجهلون ماهية العرق، البلغم، المخاط، الدم، الدموع، والبول.
- علمت من صديق لي أن أحد أقربائه ذات يوم هَبَّ من مكانه فجأة وكأن شيئًا وزه، ثم أخذ يصيح في منزله بصوت عالٍ، ويستنجد وهو يرتجف من شدة الرعب، قال لزوجته وأولاده وهو يصرخ.. إن أصابع بشرية على هيئة أسياخ، تبرز من كل مكان حوله، تقترب منه لتنغرز في جسده، حتى بدأ يختفي تدريجيًا وهو يحاول أن يريها لهم، كان يشير بيديه إلى الفراغ.
- المفتاح لا يتحرك، أقفلت فتحة قفل باب شقتي بواسطة شيء ما اليوم، عبث فيها بأظافري وكررت المحاولة وصبري يكاد ينفد، لكنها بدت مغلقة بشيء سميك، بعد عدة ثوانٍ، وجدت إصبعًا بشريًا رفيعًا أسود على شكل سيخ يبرز منها إلى الخارج ببطء.
- تبرز من جميع ثقوب الأجهزة الكهربائية والأثاث والأدوات المنزلية، والنوافذ، وأقفال الأبواب، والكهرباء في الحوائط، والبالوعات.. أصابع.
- البشر بائسون.. يتحركون وينظرون إلى البالوعات بالشوارع دون اكتراث، تبرز منها الأصابع البشرية.. وهم فاقدو التركيز.
- دخلت اليوم حمام إحدى الشقق لأصلحه، البالوعات خالية من الأصابع.
- أسمع أصواتًا واهنة.
- لا أرى أحدًا.
- أترك دراجتي على أحد جوانب مدخل عمارة، الجو بارد، ينتظرني من هاتفني عند باب شقته، يرشدني إلى الحمام، أدخل حاملًا حقيبتي الجلدية المهترئة، أضع أدواتي على الأرض بهدوء دون النظر إلى شيء، أتجه ناحية الحوض الذي بدا وكأنه فم واسع مفتوح، أخبرني بأن الحنفية بها عطل، تقع عيناي على بلاعة الحوض، يبرز من كل فتحة منها إصبع بشري، يتحدث صاحب الشقة باهتمام وكأنه اعتاد رؤية المشهد، أو أنه لا يراه من الأساس. أصابع واقفة، ثابتة، أطرافها مسننة، رفيعة، غير مميزة إن كانت لذكر أو أنثى، أظافر متساوية.
يتركني صاحب الحمام قليلًا، أجد كتلة من القاذورات في بلاعة الحمام الكبيرة، مكونة من قطع براز متوسطة الحجم، مخاط أنف، بُقع صفراء لفتاة حنونة، بعض قطرات ماء متجمعة في منتصف البلاعة من حولها تبرز نهايات أصابع بشرية مختلفة الألوان، تناسب صغر حجم الفتحات، تبدو وكأن صاحبها يستغيث، ربما كانت لجثة.
أرفع غطاء البلاعة المعدني، أدخل يدي وسط القاذورات، أحرك الأصابع كي أزيلها، أجدها صلبة، أحضر منشارًا لأقطعها، مازالت سميكة، أقطعها بالطول، تتجمع قطع جلدية غليظة على حواف أسنان المنشار، أغرز سكينًا مدببًا فيها يظهر دمٌ متجلط.
- كانت بالوعاتي خالية من الأصابع، تسير القاذورات بداخلها في عجلة، نظرات الاحتقار، تلويحات اليد المزعجة، التفافات الرأس عند التجاهل، الوجوم عند الرغبة في عدم الرد، الإهانات، قلة الصبر، الشعور بالاشمئزاز، ما بت لا أملك أية رغبة في معرفة ما أفعله، شيئًا فشيئًا بدأت الأصابع تبرز واحدًا تلو الآخر، بيضاء وسمراء، وقمحية، تخرج بكثرة من كل مكان، ومن كل ثقب.. أي ثقب.
- كل شيء مُبَلَّل.
- تزداد قطرات العرق مع ارتفاع درجات الحرارة وتوقف مروحة السقف بسبب انقطاع الكهرباء، حفرتُ خدوشًا رفيعة في يدي أثناء عملي، تفرز قطرات دم قليلة، تتكاثر الكلمات في فمي وتتسابق بالقرب من الفتحات الدقيقة جدًا في الهاتف، يزداد البلغم مع السُعال الذي يصيبني فجأة، تنتحر نوايا صالحة على الأرض دون قصد.. تزداد الأصابع البشرية.
- أشعر بأنها ستثقب عيني ذات يوم.. أظافر وأصابع مختلفة الطول والحجم.
- تندفع روائح كريهة من الحوائط.
- هل أصبح غير موجود حقًا؟!
حسن عامر يكتب: مواساة
الضوى محمد الضوى يكتب: مثل حبة برتقال
شعبان البوقى يكتب: العابرون





